زيد علي الشمري
بعد غزو دولة الكويت، دخل العراق في نفق الرعب والحصار الاقتصادي، الذي لم يقتصر تأثيره على الاقتصاد فحسب، بل امتد إلى مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، وما زالت آثاره مستمرة حتى يومنا هذا.
كان للحصار الاقتصادي تأثيرٌ واضح على حياة المواطن العادي، حتى أصبح الإنسان البسيط وكأنه مصاب بالطاعون بسبب الفقر المدقع والحرمان الذي طال معظم فئات المجتمع.
وبفعل سياسات النظام الديكتاتوري آنذاك، خرج العراق من القرن العشرين ودخل عصرًا يشبه ما قبل الحضارة، حتى بدا وكأنه سردابٌ كبير للأموات الأحياء.
والسرداب، لمن لا يعرفه، هو غرفة تحت الأرض تُصفّ فيها القبور على شكل رفوف متراصة تشبه خزائن الملابس. ولم تقتصر صورة السرداب على المقابر فحسب، بل امتدت إلى مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المدارس.
فقد كانت تأثيرات الحصار واضحة على قطاع التربية والتعليم، حيث تحولت العديد من المدارس إلى سراديب للموت؛ فلا نوافذ تقي التلاميذ حرَّ الصيف أو بردَ الشتاء، ولا مقاعد دراسية صالحة للاستخدام، بل قطعٌ من الخشب المثبتة بالمسامير لا تصلح إلا للحرق.
وأتذكر عندما كنت تلميذًا في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي أن والد أحد زملائنا، وكان نجارًا، صنع لابنيه التوأم، ولدًا وبنتًا، مقعدًا دراسيًا خاصًا وملونًا باللون الوردي. كان ذلك المقعد يلفت انتباهنا لأنه كان مختلفًا عن بقية المقاعد البسيطة والمتهالكة. كما أتذكر أن معلمة الصف طلبت من التلاميذ إحضار أكياس الرز أو السكر الفارغة (الخيش)، لاستخدامها بدلًا من زجاج النوافذ المكسور، للتخفيف من دخول البرد شتاءً والرياح والغبار إلى الصفوف.
كانت تلك التفاصيل الصغيرة تعكس حجم المعاناة التي عاشها قطاع التعليم في تلك السنوات، وتُظهر كيف اضطر الناس إلى إيجاد حلول بدائية لسد النقص الذي كان يفترض بالدولة معالجته.
وفي خضم هذه المعاناة، كان النظام يبني القصور الفخمة التي أطلق عليها اسم “قصور الشعب”، بينما كان الشعب يعيش تحت خط الفقر. كما أُنفقت أموال طائلة على مشاريع دعائية ودينية، في وقت كانت فيه المدارس والمستشفيات والبنى التحتية تعاني الإهمال والتدهور.
واليوم، وبعد سقوط ذلك النظام ومرور ثلاثة وعشرين عامًا، ما زلت أشاهد مدارس من الطين، وأخرى من السندويج بنل، فضلًا عن استمرار ما يُعرف بالدوام الثلاثي، وهو دليل على أن أزمة التعليم لم تُعالج بالشكل المطلوب.
إن بناء الإنسان المتحضر والمتعلم، القادر على احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير وقيم المواطنة، يبدأ من الاهتمام بالتعليم والتربية. فهما الأساس الحقيقي لبناء الدول الحديثة والمتطورة، ولا يمكن لأي أمة أن تنهض ما دامت مدارسها تعاني الإهمال والتراجع.
المهندس زيد علي الشمري
أكتب كمن يلقي حجرًا ليحرّك سكون العقول