رياض سعد
ثمّة مفارقة لافتة في السلوك الإنساني، تكاد تُجمع عليها التجارب: ذلك الحنين شبه الجمعي إلى الماضي، وتوصيفه بـ”الزمن الجميل”… ؛ لكن، هل كان ذلك الزمن جميلاً حقًا، أم أن ثمة خدعة نفسية كبرى تُمارسها عقولنا علينا؟
الحقيقة، التي قد تبدو صادمة، هي أن الشعور الحالي شيء مختلف تمامًا عن شعور الأمس القريب، فضلاً عن الماضي البعيد… ؛ إن طبيعة إدراكنا للألم واللذة تخضع لتحول جذري مع تقادم الزمن، مما يجعل مقارنتنا بين الأمس واليوم مقارنة ظالمة، بل ومستحيلة.
نعم , كثيرًا ما نسمع الناس يرددون بحنين جارف: «آهٍ لو عاد ذلك الزمن الجميل!» حتى ليبدو الماضي في الذاكرة وكأنه فردوس مفقود، وأيام من الصفاء والنقاء لا تشوبها منغصات ولا آلام… ؛ غير أن التأمل العميق في النفس البشرية يكشف لنا حقيقة مختلفة؛ فالماضي الذي ننعته اليوم بالجميل لم يكن بالضرورة جميلًا كما نتخيله، وإنما تبدّلت زاوية النظر إليه، وتغيّر وعينا به.
إن الشعور الحالي يختلف تمامًا عن شعور الأمس القريب، فضلًا عن الماضي البعيد. فلو افترضنا أن إنسانًا أصيب قبل خمس سنوات بجرح بليغ أدمى قلبه ونفسه وشج رأسه وكاد يودي بحياته وأوجعه أشد الإيلام، ثم تعرض اليوم لخدش بسيط لامس أطراف الخلايا العصبية في جلده، فإنه سوف يتألم للخدش الراهن رغم ضآلته… ؛ فالألم الحاضر لا يُقاس بالألم الماضي، لأن الإنسان يعيش إحساسه الآني بكامل حضوره النفسي والعصبي، بينما تتحول الآلام القديمة إلى ذكريات فقدت الكثير من حدتها الحسية .
ومن هنا قد يستثقل المرء خدش اليوم، ويحن إلى جرح الأمس… ؛ وليس لأن الجرح القديم كان أقل إيلامًا، بل لأنه أصبح جزءًا من ذاكرة منتهية، استطاع العقل أن يهضمها ويعيد صياغتها ويجردها من قسوة لحظتها الأولى.
لكن، ثمة فئة أخرى تحنّ إلى الماضي لسبب مغاير تمامًا وأكثر عمقًا… ؛ إنهم لا يحنون إلى أحداث الماضي بذاتها، بل إلى طريقة تفكيرهم هم في ذلك الزمن… ؛ كان أحدهم ينظر إلى الأشياء والأمور بنظرة بسيطة وساذجة، مما يخفف عنه وطأة الحياة وقسوتها… ؛ ففي ماضيه، كان يحسب صفعة الجار مجاملة، وركلة أحد الأقرباء أمرًا اعتياديًا، وتنمر الأصدقاء مزاحًا بريئًا، وظلم الآخرين مجرد سوء تفاهم عابر … .
كان يحمل أفعال الآخرين، حتى أفعال الأشرار منهم… , لم يكن يسيء الظن بأحد، وكان يجد لكل إساءة عذرًا، ولكل تجاوز مبررًا، بل قد يغفر الاعتداءات التي وقعت عليه لأنه لم يكن يملك الأدوات المعرفية والنفسية الكافية لفهم دوافع البشر ونواياهم الحقيقية.
نعم , كان يغفر لهم اعتداءاتهم الصريحة، معتقدًا أن في الأمر عذرًا خفيًا لا يعلمه.
وهنا تكمن الصدمة الحقيقية… ؛ عندما يكبر هذا الشخص، وتمر به السنين، ويزداد وعيه وإدراكه لطبائع البشر، تنقلب الصورة رأسًا على عقب… ؛ يصبح يرى الناس بغير العين القديمة، ويتعامل معهم وفقًا لنواياهم الحقيقية التي طالما غضّ الطرف عنها… ؛ عندها فقط، يضيق ذرعًا بهم وبالحياة، ويبدأ رحلة الحنين إلى الماضي. لكن، انتبه جيدًا: هو لا يحنّ إليه لأنه كان زمنًا جيدًا بالفعل، أو لأن الناس كانوا غير الناس الحاليين.
ليس الأمر وكأنهم كانوا ملائكة سابقًا ثم تحولوا إلى شياطين.. كلا.
البؤس والعدوان كانا موجودين، لكنه لم يكن يراها بحقيقتها… ؛ الحنين هنا ليس حنينًا إلى زمن جميل، بل هو حنين إلى زمن كان فيه الوعي أقل، والنظرة الضبابية للأشياء تمنحه سلامًا وهميًا… ؛ الان الوعي ارتفع، وأن العقلية أصبحت أكثر واقعية وأقل انبهارًا وأكثر قدرة على إدراك تناقضات البشر ومصالحهم وأقنعتهم… ؛ فانكشفت له بشاعة ما كان يراه طبيعيًا.
ولعل البيت الشعري المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب يوضح لنا حقيقة الأمر بعمق فلسفي بالغ، إذ يقول:
“رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتُ مِنْهُ، فَلَمَّا***صِرْتُ فِي غَيْرِهِ بَكَيْتُ عَلَيْهِ.”
هذا البيت لا يتحدث عن زمن جميل وآخر قبيح، بل عن طبيعة النفس الإنسانية التي لا ترضى بحال… ؛ إنه يكشف أن الذاكرة تخوننا، فهي تعيد صياغة الماضي بحيث يصبح فقدانه مأساة، حتى لو كان ذلك الماضي ذاته موضع بكائنا وشقائنا حين كنا نعيشه… ؛ إذن، لا يوجد “زمن جميل” أبدًا إلا في مخيلاتنا وأوهامنا.
إنه كائن ذهني نصنعه لنلوذ به من قسوة الوعي الحالي وإدراكنا المتزايد لحقائق الأشياء.
فكم من مرحلة شكونا مرارتها، ثم بكينا عليها حين غادرناها!
وكم من واقع تمنينا الخلاص منه، فإذا به يتحول في الذاكرة إلى زمن جميل… ؛ وليس ذلك لأن الأيام تبدلت في ذاتها، بل لأن الذاكرة البشرية انتقائية؛ فهي تميل إلى تليين القسوة، وتجميل الألم، وتهذيب الذكريات، ثم تعيد تقديم الماضي في صورة أكثر إشراقًا مما كان عليه.
الخلاصة، أن السر الذي يجعل الناس يصفون الماضي بالزمن الجميل ليس جمال ذلك الزمن في ذاته، بل هو قانون نفسي محكم: كلما اتسعت معرفتنا وازداد وعينا، قلّ انبهارنا وتعجبنا من الأحداث والناس وتصرفاتهم… ؛ وعندما يصبح الواقع عاريًا أمام أعيننا، بلا مساحيق التبرير أو سذاجة التأويل، نشعر بالاغتراب والضيق… ؛ عندئذ، نلتفت إلى الخلف، لا لنعيد الماضي، بل لنستعير منه غطاء البراءة الذي فقدناه.
إن الحنين إلى “الزمن الجميل” ليس سوى حنين إلى نسختنا القديمة , طفولتنا , مراهقتنا , شبابنا … ؛ الى ذاتنا التي لم تكن ترى القبح جيدًا، وهو أقسى أنواع الحنين؛ لأنه حنين إلى عمى بصيرة فقدناه إلى الأبد.
نعم , إن الحقيقة التي قد يصعب على البعض تقبلها هي أنه لا يوجد «زمن جميل» على نحو مطلق، وإنما توجد عقول كانت أقل وعيًا، وقلوب كانت أكثر براءة، وعيون كانت ترى نصف الحقيقة فقط… ؛ وكلما اتسعت معارفنا، وازداد وعينا، واشتدت خبرتنا بالحياة والناس، قلّ انبهارنا بالأحداث، وتضاءل تعجبنا من تصرفات البشر، وأصبحنا أكثر واقعية وأقل اندهاشًا.
الزمن الجميل إذن ليس حقبة تاريخية بعينها، بل حالة نفسية يصنعها العقل عندما ينظر إلى الماضي من شرفة الحنين… ؛ وما نسميه «الزمن الجميل» ليس سوى المسافة التي تفصلنا عن آلام الأمس، حتى تبدو لنا أقل قسوة، وعن براءة الأمس، حتى تبدو لنا أكثر جمالًا… ؛ لذلك يحن الإنسان إلى الماضي، لا لأنه كان أجمل مما هو عليه اليوم، بل لأنه كان أقل معرفةً، وأقل انكشافًا على حقائق البشر والحياة.