من حرق الملايين في تنور الجميلي الى مزرعة الجبوري في  الصقلاوية ..كيف تحولت ثروات العراق الى غنائم للفاسدين ؟!

رياض سعد

لا تكاد توجد مأساة في التاريخ السياسي العراقي الحديث تفوق مأساة تبديد الثروات الوطنية على أيدي أصحاب الفساد المنظم والمقنن … ؛  فالعراق الذي يمتلك من الموارد الطبيعية والطاقات البشرية ما يؤهله ليكون في مصاف الدول المتقدمة، وجد نفسه رهينة شبكات من الفساد والنهب التي حولت المال العام إلى غنائم شخصية، وجعلت ثروات الأمة العراقية نهبًا للمغامرين والفاشلين والمنتفعين.

وتستمر فصول التراجيديا العراقية في التكشف عن مآسٍ تحبس الأنفاس، لا لشيء إلا لأنها تكشف كيف تحولت دماء الشعب وثروات أجياله إلى غنائم مستباحة بيد فئة هجينة من الفاسدين والسُّراق والفاشلين والمنكوسين … ؛  إنها ظاهرة “إتلاف الأموال الطائلة”؛ حيث لم يكتفِ هؤلاء بنهب المال العام، بل ساقهم الجهل والجشع إلى تبديد هذه المليارات في مغامرات استثمارية فاشلة خارج الحدود، أو إحراقها طمسًا لمعالم الجريمة، ليصدق عليهم القول إنهم سرقوا العراق وأتلفوا مقدراته دون طائل... ؛ وصدق المثل الشعبي القائل: «مال الخسيس يروح فطيس»،

**عدنان الجميلي وحرق “الخمسة ملايين دولار”

تتجلى سريالية الفساد في أقوى وأبشع صورها في حادثة اعتقال زوجة وشقيقة وكيل وزارة النفط، عدنان الجميلي… ؛  ففي مشهدٍ أقرب إلى أساطير دفن الكنوز، وقبل وصول القوة الأمنية لمداهمة المنزل، أقدمت المرأتان على حرق مبلغ 5 ملايين دولار داخل تنّور طينيّ، في محاولةٍ يائسةٍ لإخفاء معالم الجريمة..!!

مفارقة مؤلمة: خمسة ملايين دولار -وهي قيمة كفيلة ببناء مجمع سكني متواضع  ليؤوي عشرات العائلات المشردة أو بناء عشرة مدارس ، أو توفير مئات فرص العمل لشباب يعانون البطالة والفقر- تُختزل في لحظات إلى رماد داخل تنور طيني.

والأنكى من ذلك، أن هذه الأطراف التي تسبح في بحر من أموال النفط المنهوبة، ما فتئت تتباكى وتتبنى خطاب المظلومية، مدعيةً “التهميش والتغييب”، بل وتمول من هذه الأموال المسروقة صفحات مشبوهة وقنوات تلفزيونية تتاجر بجراح المناطق المحررة وتضحك على آلام أبنائها.

نعم , ومع كل هذا الفساد والامتيازات ، تجد هؤلاء وأمثالهم يملأون الدنيا ضجيجًا زاعمين أنهم “مُهمّشون ومُغيّبون”، في حين يحرقون ثروات الأمة والاغلبية العراقية بالتنور الطيني، كما تُحرق القمامة…!!

إن إحراق هذا المبلغ الضخم لم يكن مجرد محاولة لإخفاء أدلة الجريمة، بل كان أيضًا رسالة صادمة تكشف حجم الأموال التي تراكمت خارج الأطر القانونية، حتى أصبح التخلص من ملايين الدولارات بالحرق خيارًا مطروحًا لدى بعض المتهمين بالفساد.

وفي الوقت الذي يكافح فيه ملايين العراقيين لتأمين قوتهم اليومي، تظهر مثل هذه الوقائع حجم الهوة الأخلاقية والسياسية التي تفصل الطبقة الفاسدة عن معاناة الشعب.

ولم تكن قضية الجميلي استثناءً، بل جاءت ضمن سلسلة طويلة من الملفات التي تكشف كيف تحولت الوظيفة العامة إلى وسيلة للإثراء غير المشروع.

صفقات ومزارع: علاء سمير الجبوري ومزرعة الصقلاوية

وإذا كان الجميلي يمثّل نموذج “الإتلاف العبثي”، فإن علاء سمير الجبوري ,  مدير عام كهرباء الوسط، يقدّم لنا النموذج الأكثر فجاجةً في التكديس والتباهي… ؛  ففي مزرعته الفاخرة بمنطقة الصقلاوية، والتي داهمتها القوات الأمنية، عُثر على مليارات الدنانير ومصوغات ذهبية وسيارات فاخرة تتكدّس كأنها في قبو قرصان… , و لم تقتصر الصدمة على ذلك فحسب، بل قادت خيوط التحقيق إلى اكتشاف عشرات العقارات الفاخرة في قلب بغداد وأربيل وفي خارج العراق ، موزّعةً بين أبراج وشقق وقصور، تُشكّل إمبراطوريةً عقاريةً موّلها ظلام الكهرباء المنقطعة ومعاناة المواطنين.

إن ثروات الجبوري تجسّد الوجه الآخر للعنة، حيث تتحوّل من أموالٍ منهوبة إلى جدران اسمنتية صمّاء، لتخلّد العار بدلاً من أن تبني وطنًا.

وسواء أثبتت التحقيقات جميع تلك الاتهامات أو بعضها، فإن مجرد تداول مثل هذه الأرقام والوقائع يعكس حجم الأزمة التي يعيشها النظام الإداري والرقابي في البلاد.

ومن المفارقات المؤلمة أن أبناء بعض هؤلاء الفاسدين يعيشون حياة مترفة لا تمت بصلة إلى واقع المواطن العراقي؛ فهناك من يتحدث عن فواتير هواتف تصل إلى آلاف الدولارات بسبب عبث الأطفال بالأجهزة الذكية، وآخرون يتباهى أبناؤهم بأحدث السيارات الفارهة، في وقت تعجز فيه آلاف العائلات العراقية عن توفير احتياجاتها الأساسية.

إن أخطر ما في الفساد ليس ضياع الأموال فحسب، بل ضياع الفرص والأحلام والثقة بالدولة… ؛  فكل مليار يُنهب يعني مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يُشيَّد، وشارعًا لم يُعبَّد، وشابًا بقي عاطلًا عن العمل.

والمال العام الذي كان ينبغي أن يكون أداة لبناء الوطن تحول إلى وسيلة لإنتاج طبقة من الأثرياء الجدد الذين راكموا الثروات من خزينة الشعب.

الخاتمة: حين يصبح الوطن نهبًا للضياع

هكذا تدور عجلة الفساد في العراق، من حرق الدولارات في تنور الجميلي، إلى اكتنازها في قصور الصقلاوية … ؛  والنتيجة واحدة: الأموال المنهوبة لا تعود، سواء ضاعت في الخارج أو احترقت في الداخل، تاركةً العراق جسدًا منهكًا تسري في أوصاله لعنة الفاشلين، أولئك الذين تسلّقوا المناصب ليجعلوا من ثروة الأمة نهبًا مقسومًا بين “الدخلاء والغرباء”، في بلادٍ باتت عجيبةً بحق.