السلاح والأموال المليارية المنهوبة في البيوت والمزارع… إنذار مبكر لخطر أمني قادم

ضياء أبو معارج الدراجي

عندما استشهد الإمام زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام في ثورته ضد الحكم الأموي، فكّر إبراهيم العباسي في استغلال الحدث لإطلاق ثورة جديدة تُسقط الدولة الأموية. لكن أبا مسلم الخراساني الفتى الفارسي الحذق نصحه بالتريث وعدم التسرع، ليس خوفاً من قوة الأمويين فحسب، بل لأنه كان يفهم طبيعة الصراع بين الأجيال.

كان يرى أن الجيل الذي هُزم مع زيد بن علي يحمل آثار الهزيمة النفسية والعسكرية، بينما يحمل الجيل الأموي المنتصر عوامل القوة والثقة التي صنعها انتصاره بنفسه. ولذلك فإن المهزوم لا يستطيع النهوض سريعاً، كما أن المنتصر لا يُهزم بسهولة. ولهذا نصح بالانتظار حتى يشيخ الجيلان معاً، وتظهر أجيال جديدة لا تحمل ذاكرة النصر ولا عقدة الهزيمة.

وبعد سنوات طويلة تحقق ذلك، فسقطت الدولة الأموية على يد جيل مختلف عاش ظروفاً مختلفة.

هذه القاعدة التاريخية لا تزال صالحة لفهم كثير من الوقائع المعاصرة.

فبعد عام 2014 تعرض مشروع داعش إلى هزيمة ساحقة على يد الحشد الشعبي والقوات الأمنية وأبناء العراق. والجيل الذي حقق هذا الانتصار ما زال موجوداً، ويحمل خبرة المواجهة والثقة بالنفس والاستعداد للدفاع عن البلاد. وفي المقابل فإن الجيل الذي انخرط في مشروع داعش أو دعمه أو تعاطف معه عاش تجربة الهزيمة ورأى نتائجها المدمرة.

لذلك فإن إعادة المشروع نفسه بالأدوات والقيادات ذاتها تبدو أمراً بالغ الصعوبة. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحاضر، بل في المستقبل الذي يحضر له منذ هزيمة داعش على يد سياسي ومناصبة داعشية في الحكومة العراقية، عندما تتغير الأجيال وتضعف الذاكرة الجمعية.

فالرهان دائماً يكون على جيل جديد لم يشهد الهزيمة ولم يعش وقائعها. جيل يسمع الرواية من طرف واحد، ويتلقى الأفكار والتفسيرات والمظالم الحقيقية أو المتخيلة من محيطه الاجتماعي. وعندما يغيب الجيل المنتصر أو يشيخ، يصبح المجال أكثر اتساعاً لمحاولات إعادة إنتاج مشاريع فشلت سابقاً.

ومن هنا يجب قراءة ظاهرة كنز الأموال وتهريبها وإخفائها خارج النظام المصرفي، وكذلك تخزين السلاح في البيوت والمزارع والمخازن السرية.

فالأموال ليست مجرد أرقام مسروقة أو ثروات منهوبة، بل قد تتحول إلى مصادر تمويل جاهزة لمشاريع مؤجلة. والسلاح المخزن ليس مجرد مقتنيات محتفظ بها، بل يمثل قدرة كامنة يمكن تفعيلها عند تغير الظروف.

إن العثور على مليارات الدنانير والدولارات مخبأة في بيوت ومزارع بعض المتهمين بالفساد، وظهور حالات حرق الأموال لإخفاء آثار الجرائم المالية قبل المداهمات الأمنية، لا يجب أن يُنظر إليه بوصفه ملف فساد مالي فقط، بل بوصفه مؤشراً أمنياً يستحق أعلى درجات الانتباه.

والأخطر من ذلك أن تتجه الجهود إلى تجريد الطرف المنتصر من عناصر قوته، والإصرار على نزع سلاحه أو إضعاف قدراته، في الوقت الذي يُغض فيه الطرف عن شبكات تخزين السلاح والأموال لدى الجهات أو البيئات التي خرجت خاسرة من الصراع.

فأي قراءة أمنية متوازنة تفترض أن يكون حصر السلاح بيد الدولة شاملاً للجميع دون استثناء، وأن تخضع جميع مخازن السلاح ومصادر التمويل غير المشروعة للرقابة والمحاسبة. أما التركيز على طرف واحد مع التغاضي عن الطرف الآخر فإنه يخلق اختلالاً خطيراً في ميزان القوة، ويفتح الباب أمام مغامرات سياسية وأمنية غير محسوبة.

إن التاريخ يعلمنا أن الانقلابات لا تبدأ بالدبابات في الشوارع، بل تبدأ بتراكم المال والسلاح والتنظيم والانتظار. كما أن المشاريع الإرهابية لا تولد فجأة، وإنما تُبنى بصمت خلال سنوات طويلة من التخزين والتمويل وإعادة تشكيل الوعي واستثمار الأخطاء السياسية والأمنية.

ولهذا فإن حماية العراق لا تتحقق فقط بملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، بل أيضاً بمراقبة حركة الأموال غير المشروعة، والكشف عن مخازن السلاح السرية، ومنع نشوء مراكز قوة موازية للدولة، والحفاظ على ذاكرة الانتصار الوطني ونقل حقائقه إلى الأجيال القادمة.

فالمال المخزن في المزارع ليس مشروعاً اقتصادياً، والسلاح المخبأ في البيوت ليس زينة، وحرق المليارات ليس حادثة عابرة. إنها جميعاً إشارات تحذير تستوجب الانتباه. أما تجاهلها، مع السعي إلى إضعاف الطرف الذي حقق الانتصار في المعركة السابقة، فقد يهيئ الظروف لظهور أزمة أمنية جديدة أو محاولة لإحياء مشاريع متطرفة دفعت البلاد ثمناً باهظاً للقضاء عليها.

إن الدول التي تتعلم من انتصاراتها تحمي مستقبلها، أما الدول التي تنسى دروس الماضي فقد تجد نفسها مضطرة إلى خوض المعركة نفسها مرة أخرى، ولكن في ظروف أكثر خطورة وكلفة.