كربلاء الكونية الحسين في مواجهة يزيد وأشباهه عبر التاريخ

بسمه طه الحيفي

​لم تكن واقعة كربلاء في العاشر من محرم (عاشوراء) عام 61 للهجرة مجرد صدام عسكري عابر بين جيشين، أو نزاع سياسي على سلطة زائلة. إنها، في جوهرها الفلسفي والروحي، الصدام الكوني الأول والأنقى بين خطين متوازيين لا يلتقيان: خط الاستقامة والمبدأ، وخط الانحراف والسطوة.

​في ذلك اليوم، تجسد الإسلام المحمدي الأصيل في جسد الإمام الحسين بن علي، بينما تجسد الطغيان، والاستبداد، والانتهازية في جبهة يزيد بن معاوية.

​1. الحسين.. الثورة كضرورة أخلاقية

​لم يخرج الإمام الحسين طالباً لملك أو جاه، وهو سليل النبوة والبيت الذي فيه هبط الوحي. لقد تحرك عندما رأى الأمة تقاد نحو الهاوية، وعندما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض يُنتهك فيه الدين وتُهدر فيه كرامة الإنسان.

​يقول الإمام الحسين في خطبته الشهيرة المدوية:

“إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.

​لقد كان خروج الحسين صرخة في وجه الصمت الرهيب الذي خيّم على الأمة. كان يعلم تماماً بمقاييس العسكر والموازنات المادية أن النتيجة هي الشهادة، لكنه أراد بدمه ودماء الصفوة من أهل بيته وأصحابه أن يوقظ الضمير الإنساني الميت، ليثبت أن الموت في سبيل المبدأ هو الخلود الحقيقي، وأن الحياة مع الظالمين ليست إلا برماً.

​2. يزيد بن معاوية.. الرمز والنهج

​على الجبهة المقابلة، لم يكن يزيد مجرد شخص يحكم من دمشق، بل كان يمثل “النهج اليزيدي”؛ وهو نهج يقوم على:

​تأليه السلطة: الاستعداد لإبادة أي صوت معارض، حتى لو كان ابن بنت رسول الله، من أجل الحفاظ على الكرسي.

​شراء الذمم: استخدام المال العام والخوف لإخضاع الرقاب وتحويل الأحرار إلى عبيد.

​تشويه الدين: استخدام وعاظ السلاطين لتبرير الجريمة وإلباس الباطل ثوب الشرعية.

​كان يزيد يظن أنه برفع الرؤوس على الرماح وسبي حرائر بيت النبوة قد حقق النصر الحاسم، لكن التاريخ أثبت غباء الطغاة؛ فقد تحولت دماء الحسين إلى وقود لثورات لم تنطفئ حتى أسقطت العرش الأموي، وبقي يزيد في ذاكرة الأجيال رمزاً للخزي واللعنة.

​3. “أشباه يزيد” في كل زمان ومكان

​إن عظمة عاشوراء تكمن في أنها تجاوزت قيد الزمان والمكان. الحسين ليس محصوراً في عام 61 هـ، ويزيد لم يمت بوفاته.

​في عالمنا المعاصر، يتجلى “أشباه يزيد” في كل طاغية يستبيح دماء الأبرياء، وفي كل محتل يغتصب الأرض ويهجر أصحابها، وفي كل فاسد يسرق قوت الفقراء ليملأ خزائنه، وفي كل نظام يكمم الأفواه ويصادر الحريات.

​يزيد المعاصر هو الذي يقصف المدن ويقتل الأطفال بدم بارد.

​يزيد المعاصر هو الذي يرى الظلم فيسكت عنه تواطؤاً أو خوفاً (وهؤلاء هم شبيهو جيش عمر بن سعد الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم).

​يزيد المعاصر هو الإعلام التضليلي الذي يقلب الحقائق ويصور الضحية على أنه “خارجي” أو “متمرد” كما صوروا الحسين قديماً.

​4. عاشوراء.. مدرسة الأحرار

​إن إحياء عاشوراء ليس مجرد طقس للبكاء والتحسر على الماضي، بل هو محطة للتزود بالوعي والوقود الثوري. إنها صرخة المستضعفين في وجه المستكبرين

​تعلمنا كربلاء دروساً صارمة:

​الانتصار بالدم: قد ينتصر السيف مادياً وجسدياً في المعركة، لكن الدم البريء والمحق هو الذي ينتصر تاريخياً وقيمياً

​لا عذر للمتخاذل: علمنا الحسين بأصحابه القلة (سبعون رجلاً ضد آلاف) أن القوة لا تُقاس بالعدد، بل بالحق والإيمان الذي يحمله الصدر.

​رفض الظلم مطلقاً: شعار “هيهات منا الذلة” ليس شعاراً للملأ، بل هو منهج حياة لكل إنسان حر، بغض النظر عن دينه أو عرقه (كما قال غاندي: “تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر”).

كربلاء مستمرة

​ستبقى كربلاء حية، لأن الصراع بين الحسين ويزيد صراع أزلي. وفي كل يوم يمر على البشرية، يوضع الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يقف في جبهة الحسين مدافعاً عن المظلومين ومتمسكاً بالحق، وإما أن ينزلق -بالفعل أو بالصمت- إلى جبهة يزيد وأشباهه.

​إن الحسين لم يمت؛ إنه حي في كل ثورة ضد الظلم، وفي كل قبضة ترتفع في وجه الطغاة، وفي كل كلمة حق تُقال عند سلطان جائر. أما يزيد وأشباهه، فهم وإن ملكوا السلاح والقصور، جيفٌ تذروها رياح التاريخ في مزبلة النسيان والعار.

#كاتبات_وإعلاميات_المسيرة