الوعي التاريخي بوصفه شرطاً لنهضة الأمة العراقية .. قراءة في جدلية التاريخ والهوية والوجود الحضاري

الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (25)

رياض سعد

ليست الأمم الكبرى مجرد تجمعات بشرية تعيش فوق مساحة جغرافية محددة، وليست الهوية الوطنية وثيقة رسمية أو شعاراً سياسياً عابراً، بل هي حصيلة تراكمات تاريخية وثقافية وحضارية ونفسية تشكلت عبر قرون طويلة من التجربة الإنسانية المشتركة… ,  ومن هنا فإن السؤال عن تاريخ الأمة العراقية ليس سؤالاً أكاديمياً مجرداً، بل هو سؤال وجودي يتعلق بمعرفة الذات العراقية وفهم طبيعة الشخصية الرافدينية وموقعها في التاريخ الإنساني.

إن أخطر ما تتعرض له الأمم ليس الاحتلال العسكري وحده، بل فقدان الوعي بتاريخها، لأن الاحتلال الخارجي يمكن مقاومته وطرده، أما فقدان الذاكرة الجمعية فإنه يؤدي إلى اغتراب الأمة عن نفسها وتحولها إلى مادة خام قابلة لإعادة التشكيل وفق إرادات الآخرين ومشاريعهم السياسية والثقافية.

ولذلك لم يكن غريباً أن تستهدف القوى الاستعمارية عبر التاريخ ذاكرة الشعوب قبل استهداف أرضها، وأن تعمل على تفكيك سردياتها التاريخية وتشويه رموزها الحضارية وإضعاف ثقتها بذاتها، لأن الأمة التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على المقاومة، بينما الأمة التي تعرف تاريخها تعرف من تكون، ولماذا وجدت، وإلى أين ينبغي أن تتجه.

*العراق: جغرافيا صنعت التاريخ

عندما نتأمل الخريطة الحضارية للعالم القديم نجد أن العراق لم يكن مجرد بلد بين البلدان، بل كان أحد المراكز التأسيسية للحضارة الإنسانية.

ففي السهل الرسوبي الممتد بين دجلة والفرات ظهرت أولى المدن الكبرى في التاريخ، ونشأت أولى مؤسسات الدولة، وتكونت البدايات الأولى للتشريع والكتابة والإدارة والتنظيم الاقتصادي والعمراني.

لقد كانت مدن أور وأوروك ولكش ونفر وآشور وبابل ونينوى أكثر من مجرد مراكز سكانية؛ كانت مختبرات حضارية أنتجت مفاهيم الدولة والقانون والإدارة والاقتصاد والمعرفة... ؛  ولهذا وصف عالم الآثار الأمريكي **صموئيل نوح كريمر** بلاد الرافدين بأنها المكان الذي “بدأ فيه التاريخ”.

فالكتابة المسمارية لم تكن مجرد اختراع تقني، بل كانت ثورة معرفية سمحت للإنسان بتجاوز حدود الذاكرة الشفوية، وتحويل الخبرة البشرية إلى تراكم معرفي قابل للنقل والتطوير.. ,  ومن هنا بدأت الإنسانية انتقالها الحقيقي من زمن الأسطورة إلى زمن التدوين.

لقد أنتج العراق القديم أولى المدونات القانونية الكبرى، وأشهرها شريعة حمورابي  ، كما أنتج أولى الملحمات الإنسانية الكبرى ممثلة بـ  ملحمة كالكامش التي تعد في جوهرها تأملاً فلسفياً عميقاً في معنى الحياة والموت والخلود والسلطة والوجود الإنساني.

* الأمة العراقية بين التاريخ والأنثروبولوجيا

من الناحية الأنثروبولوجية لا تنشأ الأمم من فراغ، بل تتشكل عبر عمليات تاريخية طويلة من التفاعل والاندماج والتراكم الحضاري.

إن الأمة العراقية ليست نتاجاً لحدث سياسي وقع سنة 1921، كما يحاول بعض المؤدلجين والمنكوسين تصويرها، وليست اختراعاً إدارياً حديثاً أوجدته ترتيبات القوى الاستعمارية، وإنما هي حصيلة عملية تاريخية ممتدة تعود جذورها إلى آلاف السنين من التفاعل الحضاري داخل المجال الرافديني.

لقد تعاقبت على العراق أقوام وشعوب وسلالات متعددة: السومريون والأكديون والبابليون والآشوريون والكلدانيون والآراميون والنبط والعرب والكرد وغيرهم، لكن العامل الحاسم لم يكن التنوع بحد ذاته، وإنما عملية الاندماج الحضاري التي جرت داخل البيئة الرافدينية الواحدة.

وهنا تكمن خصوصية العراق.

فالعراق لم يكن يوماً أمة قائمة على النقاء العرقي، بل كان أمة قائمة على الوحدة الحضارية.

ولهذا فإن البحث عن “عرق عراقي نقي” يمثل فهماً بدائياً للتاريخ، لأن الأمم الحضارية الكبرى لا تتشكل من الدم، بل من الذاكرة المشتركة والثقافة المشتركة والخبرة التاريخية المشتركة.

وقد سبق ابن خلدون إلى الإشارة إلى أن العمران البشري والدولة والحضارة هي التي تصنع الجماعات التاريخية الكبرى، لا مجرد الأنساب والأعراق المجردة.

* آثار الاحتلالات في تشكيل الشخصية العراقية

إذا كانت الحضارة تبني الأمم، فإن الاحتلالات الطويلة تترك بدورها آثاراً عميقة في البناء النفسي والاجتماعي للشعوب.

لقد تعرض العراق خلال تاريخه لسلسلة طويلة من الغزوات والاحتلالات، بدءاً من الاحتلالات الإمبراطورية القديمة، مروراً بالغزو المغولي الكارثي، ثم السيطرة العثمانية الطويلة، فالاحتلال البريطاني، وصولاً إلى الاحتلال الأمريكي سنة 2003.

ولا تقتصر نتائج الاحتلالات على الخسائر المادية والسياسية، بل تمتد إلى تشكيل البنية النفسية للمجتمع.

فالاحتلال الطويل ينتج ما يسميه بعض علماء الاجتماع السياسي بـ”ثقافة التبعية”، حيث تتراجع روح المبادرة الفردية والجماعية، وتزداد النزعات الاتكالية، ويضعف الشعور بالقدرة على صناعة المصير.

كما يؤدي الاستبداد الممتد إلى إنتاج ما وصفه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي بازدواجية الشخصية الاجتماعية الناتجة عن التناقض بين القيم المعلنة والواقع المعاش.

ومن هنا فإن كثيراً من الأزمات التي يعيشها العراق المعاصر لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ الطويل للاستبداد والاحتلال والصراعات السياسية والانقطاعات الحضارية.

* لماذا يجب أن ندرس التاريخ؟

إن دراسة التاريخ ليست ترفاً ثقافياً، وليست هواية للنخب الأكاديمية، بل هي ضرورة استراتيجية لأي مشروع نهضوي.

فالوعي التاريخي يؤدي إلى:

1. فهم جذور المشكلات المعاصرة.

2. كشف آليات الهيمنة الخارجية عبر العصور.

3. إعادة بناء الثقة بالذات الوطنية.

4. تصحيح السرديات المشوهة والمفروضة.

5. تعزيز الانتماء إلى الهوية العراقية الجامعة.

6. تحويل الخبرة التاريخية إلى رصيد للمستقبل.

ولهذا فإن الأمم المتقدمة لا تدرس تاريخها من أجل البكاء على الماضي، بل من أجل فهم قوانين الحركة التاريخية واستثمارها في بناء الحاضر.

أما الأمم التي تقطع صلتها بتاريخها فإنها تتحول إلى كتل بشرية فاقدة للبوصلة الحضارية، سهلة الاختراق والتوجيه والتوظيف.

* الوعي التاريخي ومشروع الأمة العراقية

إن مشروع الأمة العراقية الذي ندعو إليه لا يقوم على اجترار الأمجاد الغابرة، ولا على تحويل التاريخ إلى معبد مقدس، بل يقوم على قراءة نقدية علمية للتجربة العراقية بكل نجاحاتها وإخفاقاتها.

فالهدف ليس العودة إلى سومر أو بابل أو الكوفة العلوية أو بغداد العباسية، وإنما استعادة الروح الخلاقة التي صنعت تلك التجارب الحضارية.

إن الأمم العظيمة لا تعيش في الماضي، لكنها لا تنفصل عنه أيضاً.

وإذا كان الماضي يمثل الجذور، فإن الحاضر هو الجذع، والمستقبل هو الثمرة.

ولا يمكن لشجرة أن تعطي ثماراً سليمة إذا قُطعت جذورها.

ومن هنا تصبح دراسة تاريخ العراق واجباً وطنياً وثقافياً وحضارياً، لأن معرفة الذات هي الخطوة الأولى في مشروع التحرر، ولأن الأمة التي تفهم تاريخها تمتلك القدرة على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها.

لقد كان العراق في يوم من الأيام أحد صناع التاريخ الإنساني، وليس ثمة قانون طبيعي أو قدر محتوم يمنعه من استعادة دوره الحضاري. غير أن ذلك لن يتحقق إلا عندما يستعيد العراقيون وعيهم بتاريخهم الحقيقي، ويتحررون من السرديات المفروضة عليهم، ويعيدون اكتشاف الأمة العراقية بوصفها حقيقة تاريخية وحضارية وثقافية عميقة، لا مجرد كيان سياسي عابر.

المصادر والمراجع

1. صموئيل نوح كريمر، *التاريخ يبدأ في سومر*.

2. طه باقر، *مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة*، ج1–2.

3. جورج رو، *العراق القديم*.

4-مقدمة ابن خلدون .

5. علي الوردي *دراسة في طبيعة المجتمع العراقي*.

7. حنا بطاطو، *العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية*.

8. محاضرات الدكتور عماد عبد السلام رؤوف حول التاريخ والهوية الوطنية العراقية (بتصرف).