الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (26)
رياض سعد
ليست الأمة العراقية حزباً سياسياً، ولا تنظيماً أيديولوجياً، ولا مشروعاً طائفياً أو قومياً ينافس المشاريع الأخرى على النفوذ والسلطة، بل هي حقيقة تاريخية وحضارية تشكلت عبر آلاف السنين فوق أرض الرافدين، قبل ظهور معظم الأيديولوجيات الحديثة، وقبل نشوء الدول القومية المعاصرة، وقبل تشكل كثير من الأمم التي نعرفها اليوم.
فالعراق ليس مجرد دولة حديثة تأسست في القرن العشرين، كما تحاول بعض السرديات السياسية أن توحي بذلك ، بل هو أحد أقدم الأوطان المستمرة في التاريخ الإنساني.
وتكاد تجمع الدراسات التاريخية والأركيولوجية على أن بلاد الرافدين كانت من أوائل المراكز التي شهدت نشوء الدولة والمدينة والكتابة والقانون والتنظيم الاقتصادي المركزي.. , ومنذ ذلك الحين تشكلت داخل هذا الفضاء الجغرافي وحدة حضارية متماسكة، ظلت تتجدد بأسماء مختلفة وصيغ سياسية متعددة، لكنها حافظت على جوهرها الرافديني العميق.
إن مفهوم الأمة العراقية الذي ندافع عنه لا يقوم على نقاء عرقي، ولا على عصبية قومية، ولا على احتكار ديني أو مذهبي، بل يستند إلى مفهوم حضاري تاريخي يرى أن الأمة تنشأ من تفاعل الإنسان مع الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والثقافة والذاكرة الجمعية.. , فالأمم الكبرى ليست سلالات بيولوجية، وإنما كيانات تاريخية تتكون عبر قرون طويلة من التفاعل والاندماج والتراكم الحضاري.
ومن هذه الزاوية يصبح العراق حالة نموذجية لدراسة تشكل الأمم التاريخية؛ إذ استطاعت البيئة الرافدينية أن تستوعب عبر آلاف السنين موجات بشرية متعددة وأقواماً وثقافات وأدياناً مختلفة، لكنها أعادت دمجها جميعاً داخل إطار حضاري واحد صنع ما يمكن تسميته بالشخصية العراقية التاريخية.
لقد مرت على العراق حضارات سومر وأكد وبابل وآشور والحضر، ثم تعاقبت عليه العهود الفارسية والهيلينية والساسانية والإسلامية والعثمانية والحديثة، إلا أن هذه التحولات لم تلغِ الاستمرارية الحضارية العراقية، بل أضافت إليها طبقات جديدة من الخبرة التاريخية.. , وكما أن الإنسان لا يفقد هويته بسبب تقدمه في العمر، فإن الأمم لا تفقد ذاتها بسبب تغير أنظمتها السياسية أو تنوع مكوناتها السكانية.
ولهذا فإن اختزال العراق في هوية قومية واحدة أو مذهبية واحدة أو مرحلة تاريخية واحدة يمثل تبسيطاً مخلاً بحقيقة تكوينه الحضاري.. , فالعراق أكبر من أن يُختزل بالعروبة وحدها، وأكبر من أن يُختزل بالإسلام وحده، وأكبر من أن يُختزل بأي مكون منفرد مهما كانت أهميته.. , إنه حصيلة جميع المراحل التاريخية التي مرت فوق أرضه منذ فجر الحضارة وحتى اليوم.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الأمة العراقية بوصفه الإطار الجامع الذي يستوعب العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين والأرمن، كما يستوعب المسلمين والمسيحيين والصابئة والإيزيديين وسائر مكونات المجتمع العراقي، ضمن رابطة المواطنة والانتماء الحضاري المشترك.
إن الأزمة العراقية الحديثة ليست أزمة تنوع، بل أزمة إدارة التنوع.. , وليست أزمة مكونات، بل أزمة سردية وطنية جامعة.. , فعندما غابت الهوية العراقية الجامعة، برزت الهويات الفرعية بوصفها بدائل دفاعية، وتحولت الانتماءات الدينية والقومية والمذهبية إلى أدوات صراع سياسي بدلاً من أن تكون عناصر إثراء حضاري.
لقد فشلت الأيديولوجيات القومية والأممية والطائفية، بدرجات متفاوتة، في بناء دولة المواطنة العراقية، لأنها انطلقت من انتماءات تتجاوز العراق أو تتجاوزه.. , فالقومية العربية ربطت العراق بمشروع قومي أوسع من حدوده التاريخية، والأممية الإسلامية ربطته بمجال عقائدي عابر للجغرافيا الوطنية، بينما نظرت بعض الاتجاهات اليسارية إلى المجتمع العراقي بوصفه مجرد طبقات اجتماعية متصارعة، متجاهلة خصوصياته التاريخية والثقافية العميقة.
أما مشروع الأمة العراقية فينطلق من العراق ذاته، من تاريخه وجغرافيته ومصالح شعبه ومستقبله.. , وهو لا يعادي الانتماء العربي أو الإسلامي أو الكردي، بل يعيد ترتيبها داخل إطار وطني أعلى يجعل العراق نقطة الانطلاق لا هامشاً تابعاً لمشروعات الآخرين.
إن الأمة العراقية ليست مشروعاً للماضي، بل مشروعاً للمستقبل.. , وهي ليست دعوة للعودة إلى سومر أو بابل، بل دعوة لاستعادة القدرة الخلاقة التي صنعت سومر وبابل وبغداد والنجف والموصل والبصرة وأربيل والكوفة والحلة وسائر مدن العراق.
فالأمم لا تنهض بالحنين إلى أمجادها، وإنما تنهض حين تتحول ذاكرتها التاريخية إلى قوة دافعة لبناء المستقبل.. , ومن هنا فإن إحياء فكرة الأمة العراقية لا يمثل مجرد استعادة لهوية منسية، بل يمثل شرطاً ضرورياً لبناء دولة المواطنة والعدالة والتنمية والاستقرار في العراق المعاصر.