رياض سعد
من بين الوثائق النادرة التي تختصر معاناة العراقيين في العقود الأخيرة من العهد العثماني وبدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة، تبرز رسالة مؤرخة سنة 1340هـ الموافق 1922م، بعث بها المرجع الديني الأعلى في زمانه السيد أبو الحسن الأصفهاني إلى السياسي عبد العزيز القصاب، متصرف لواء كربلاء آنذاك، وكانت النجف ما تزال قضاءً تابعاً للواء.
تكشف هذه الرسالة جانباً مهماً من الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي عاشه أبناء العراق في تلك المرحلة المضطربة.. , فالسيد الأصفهاني لم يكتب بشأن قضية سياسية أو نزاع إداري، بل رفع صوته مدافعاً عن الفقراء والمعدمين والمساكين الذين أثقلتهم الضرائب الباهظة حتى بعد انتهاء الحكم العثماني رسمياً وقيام الدولة العراقية الحديثة.
لقد طالب المرجع الكبير برفع ما تبقى من ضريبة “الويركو**” عن الفقراء والضعفاء العراقيين بسبب سوء أوضاعهم المعيشية وعجزهم عن تحمل المزيد من الأعباء المالية… ؛ وهذه المطالبة بحد ذاتها تمثل شهادة تاريخية على حجم المعاناة التي كانت تعيشها الطبقات الفقيرة وغيرها في العراق آنذاك.
وكانت ضريبة الويركو واحدة من أشهر الضرائب العثمانية التي فُرضت خلال إصلاحات التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر، وخصوصاً بعد عام 1839.. , وقد شملت العقارات والأملاك وبعض الأنشطة الاقتصادية، وتحولت مع مرور الزمن إلى عبء ثقيل على المواطنين، ولا سيما في الولايات البعيدة عن مركز الدولة العثمانية.
والمفارقة المؤلمة أن هذه الضريبة لم تنتهِ بسقوط الحكم العثماني وانسحاب الإدارة العثمانية من العراق، بل استمرت آثارها ومخلفاتها المالية حتى بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة الهجينة عام 1921… ؛ فالفلاح والعامل وصاحب الدخل المحدود لم يشعروا بتغيير حقيقي في طبيعة العلاقة بين السلطة والناس، إذ بقيت الجباية مستمرة بينما ظلت الخدمات العامة محدودة للغاية قياساً بما يُفرض على المواطنين من أعباء مالية.
لقد عانى العراقيون خلال العقود الأخيرة من العهد العثماني من سياسة مالية قاسية اعتمدت على تحصيل الضرائب والرسوم بمختلف أشكالها، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من ضعف البنية التحتية، وقلة المدارس، وندرة المستشفيات، وسوء الطرق، وتراجع الخدمات الأساسية.. , وكانت الدولة حاضرة بقوة عندما يتعلق الأمر بالجباية، لكنها غالباً ما تغيب عندما يتعلق الأمر بالتنمية والخدمات أو الامن أو تحسين مستوى معيشة السكان.
وعندما تأسست الدولة العراقية الحديثة تحت الانتداب البريطاني، كان العراقيون يأملون أن تمثل بداية عهد جديد يختلف عن إرث الإدارة العثمانية الثقيلة.. , غير أن كثيراً من الأنظمة الإدارية والمالية والقانونية القديمة انتقلت إلى الدولة الجديدة، كما انتقل عدد كبير من الموظفين والإداريين الاجانب والغرباء الذين عملوا سابقاً في مؤسسات الدولة العثمانية.
ولذلك لم يشعر المواطن البسيط بأن القطيعة مع الماضي كانت كاملة.. ؛ فالضرائب استمرت، والبيروقراطية استمرت، والشكوى من الأعباء المالية استمرت، والوجوه نفس الوجوه … ؛ حتى بدا لكثير من الناس أن طبيعة الحكم تبدلت بينما بقيت الأساليب ذاتها.. , ومن هنا استعاد العراقيون أمثالهم الشعبية الساخرة للتعبير عن هذا الواقع، وأشهرها المثل القائل:
“المطي نفس المطي، بس الجلال مبدّل.”
أي أن الجوهر بقي كما هو، وإن تغيرت الأسماء والشعارات والرايات.
ولا تكمن أهمية رسالة السيد أبي الحسن الأصفهاني في بعدها المالي فحسب، بل في بعدها الإنساني أيضاً.. , فهي تكشف أن المرجعية الدينية كانت تنقل معاناة الفقراء إلى السلطات الحكومية وتطالب بالتخفيف عنهم في زمن كانت فيه أوضاع الناس بالغة الصعوبة بعد سنوات الحرب العالمية الأولى وما خلفته من فقر وخراب وأزمات اقتصادية.
وكلمة “الويركو” لم تبق حبيسة الوثائق والسجلات الرسمية، بل تسربت إلى اللهجة العراقية الدارجة في بغداد وبعض المناطق .. , فمع مرور الزمن أصبح العراقيون يستخدمون عبارة “دفع الوير” للدلالة على دفع حساب شخص آخر في المقهى أو المطعم أو المجلس، وكأن من يدفع الحساب قد تحمل ضريبة إضافية نيابة عن غيره… ؛ حتى أن بعض المطاعم والمقاهي كانت تضع عبارة “الوير ممنوع” تجنباً للإحراج الذي قد ينشأ بين الأصدقاء والمعارف عند التنافس على دفع الحساب.
وهكذا تحولت ضريبة أثقلت كاهل العراقيين لعقود طويلة إلى تعبير شعبي متداول، يحمل في طياته ذكرى مرحلة تاريخية لم تكن فيها الضرائب مجرد أرقام في دفاتر الدولة، بل عبئاً يومياً يثقل حياة الناس البسطاء.
إن هذه الوثيقة النادرة تذكرنا بأن التاريخ لا يُقرأ من خلال قصور الحكام وقرارات الساسة فقط، بل من خلال معاناة الناس العاديين أيضاً… ؛ فالرسائل التي كُتبت دفاعاً عن الفقراء تكشف أحياناً من حقيقة العصور أكثر مما تكشفه الخطب الرسمية والشعارات السياسية، لأنها تنقل صوت أولئك الذين دفعوا الثمن الأكبر دائماً: أبناء العراق البسطاء والاصلاء .
….………………………………………………………..
** الويركو (Werko) هي ضريبة مباشرة كانت تُفرض خلال العهد العثماني على الأراضي والعقارات والأفراد والماشية. تم تطبيقها كجزء من الإجراءات التعسفية العثمانية الغاشمة .
تضمنت هذه الضريبة بشكل أساسي الأقسام التالية:
ويركو الأملاك (العقارات): ضريبة تُفرض على قيمة إيجار العقارات والأراضي المبنية، أو المساحات المستغلة في الأعمال التجارية والصناعية.
ويركو التمتع: ضريبة كانت تُفرض على أرباح التجار وأصحاب الحرف.
ويركو النفوس: ضريبة رؤوس مباشرة تُدفع عن كل فرد من الذكور البالغين.
ويركو الحيوانات: رسوم ورقية تُدفع مقابل ملكية الماشية (مثل الجمال، الأبقار، والأغنام)