جديد

نعيٌ على جناحيّ ططوة

رياض سعد

عاد من المدرسة يجرُّ خطاه في الازقة المتعرجة …

كانت حقائب الكتب تثقل كتفيه، وكأنها نعوش صغيرة تحمل أحلامه إلى مقبرة المدرسة ..

وفي رأسه ضجيج امتحانات البكالوريا للصف الثالث المتوسط، وكان يظن أن أقسى ما في ذلك النهار هو أسئلة الرياضيات .

تلك الهواجس التي تحوّلت في ذهنه إلى طيور سوداء تنقر جدار الجمجمة من الداخل… ؛ صف الثالث متوسط، وعالمه يضيق حتى صار بحجم ورقة أسئلة...

وما إن بلغ باب الدار حتى رأى في السماء  مجموعة من طيور الططوة ، تشق السكون بصياحها  الحاد.. , وبدأ صوتها يتكسّر على جدران الدار كزجاج منثور …

طالما سمع محمد صيحات طيور الططوة… ؛ لكن الصيحات هذه المرة  كانت مختلفة.. ؛  لم تكن مجرد صياح عابر، بل نحيبًا طويلًا، كأن طيور الططوة تبكي على ماضٍ لا تعرفه، أو مستقبلٍ تقرؤه من علوّها.

هنا، أوجس محمد في نفسه خيفة، و ارتجف شيءٌ خفيٌّ في داخله…

حاول أن يستجمع كل دروسه، أن يتذكّر أنه يرفض فكرة الطيرة والتشاؤم …

كان محمد  يسخر دائماً من خرافة التشاؤم، ويرفض أن يُحمَّل طائرٌ صغير وزرَ أقدار البشر.. ؛ يهز رأسه بفلسفة المراهق المتمرد: “خرافات! الطير طير، والنحس في عقول الناس لا في أجنحته”… ؛  لكنه، لأول مرة، شعر أن الوعي قد يخسر معركته أمام خوفٍ قديم يسكن الذاكرة  أو اللاوعي أكثر مما يسكن الحقيقة.

تذكر محمد كلام مدرس مادة العلوم استاذ فاخر ؛ اذ قال في احدى المرات : إن الطيور لا تنذر…

وتذكر أن أقاربه وجيرانه الجهلة وهم من يصفون الشخص المنحوس أو الفقير أو البائس بأنه “ططوة”…  

لكن صياح الطائر اخترق دفاعاته المنطقية مثل مسمار حديدي يُدَق في خشب رطب… ؛  شعر ببرودة تسري في عموده الفقري… ؛  لا يدري لماذا، رأى وجه عمه عصمان فجأة مبتسمًا في المسافة القصيرة المؤدية الى باب الدار ، ثم لوّح له بيده كمن يودّع...!!

دفع الباب بيدٍ مترددة… ؛ وهو يصارع هذا الهاجس، وصياح الططوة  ما زال يجلد أذنيه من  السماء ومن أعلى سطح الدار…

لحظة دخوله الى البيت ؛ انقطع صياح الطيور فجأة، وحلّ محله رنين الهاتف الأرضي.. ,  لم يكن رنينًا عاديًا، كان صدى الصياح نفسه لكن بصيغة معدنية، كأن الططوة تحوّلت إلى صوت الجرس وهي تحتضر في سمّاعة البلاستيك…

رفعت أمه السماعة. ارتسم كل شيء في البيت بطيئًا، الساعة المعلقة على الجدار توقفت عقاربها، ذرات الغبار العائمة في شعاع الشمس تجمّدت، ويد أمه التي أمسكت السماعة صارت من زجاج شفّاف يظهر تحته عظم خائف… ؛  رأى محمد وجهها ينهار قبل أن ينطق المتصل بشيء…

تحول وجهها، ذلك الوجه الذي عرف كيف يصمد أمام قسوة الأيام، إلى لوحة تجريدية من الذهول …

  ثم صرخت.. ,  لم يكن صراخًا، بل كانت الططوة كلها تخرج من فمها، ريشًا أسودًا وكلمات مبحوحة …

صرخت صرخة لم تكن من حنجرتها، بل من روحها كلها:

يمّه محمد… يمّه محمد… عمّك عصمان مات… عمّك اللي شال حملنه بعد موت أبوك… لَحِك أبوك بتراب النجف… عمّك الزين مات… يمّه محمد… وين نروح؟ منو إلنه بعد؟!

سقطت حقيبة المدرسة من يده

كل شيء في البيت بدأ يتقلص.. ,  النوافذ انكمشت، وسقف الدار هبط ليمسح على رأسه بيتمٍ مفاجئ.. ,  كلماتها ” مات عمك عصمان .. , عمك الزين مات … ” تحولت إلى مطارق حديدية تضرب الأرض تحت قدميه، ليتطاير الإسمنت ويتحول إلى غبار تطفو فيه ذكريات عمه الراحل: ابتسامته، كفه الدافئة، وثقله الذي كان يستند إليه البيت بأكمله...

وقف محمد مذهولًا، مشدوهًا في بؤرة السريالية المريرة؛ عقله الواعي يرفض أن طائراً جلب الموت، لكن روحه الخائفة رأت الطائر يطير كظلالٍ ممتدة داخل الصالة، يمسح بجناحيه على دمع أمه، مخلفاً وراءه حقيقة واحدة مرعبة: لقد انكسر الظهر، وتبخر السند، وباتت أسئلة البكالوريا مجرد حبر تافه على ورق لا قيمة له أمام امتحان الفقد المباغت…

بعدها أيقن محمد  أن التشاؤم لم يكن خرافة، بل كان تأويلاً حزيناً تتعلمه الروح حين تشم رائحة الغياب عن بعد ...