8945BD6D-2FBA-499A-896B-8D467FAED600

تومان شخصية من شخصيات أهالي البصرة، يعرفه كافة أبناء البصرة، يعزف الناي بأنفه لا بفمه.

يعود تاريخ الآلات الهوائية المصنوعة من القصب إلى فجر التاريخ البشري، لكن السومريين في جنوب السهل الرسوبي العراقي كانوا من أوائل من وثقوا استخدام هذه الآلة وطوروها وأعطوها بُعداً روحياً وجنائزياً.

أهم دليل أثري قاطع على مكانة هذه الآلة في الحضارة السومرية هو العثور على “ناي من الفضة” في المقبرة الملكية في مدينة أور السومرية (في محافظة ذي قار والذي اكتشفه عالم الآثار السير ليونارد وولي. يعود تاريخ هذا الناي إلى فترة (2650 – 2550 قبل الميلاد).
يتكون من هيكل فضي مع قطعة فم ذهبية ويحتوي على سبعة ثقوب للأصابع، مما يدل على تطور موسيقي وحرفي مذهل يشابه إلى حد بعيد الناي الحديث.

كان السومريون يطلقون على آلة القصب اسم “نا” (والتي أصبحت لاحقاً “نابو” بالأكدية). المثير للدهشة أن النصوص المسمارية ربطت هذه الآلة بالحزن منذ ذلك الوقت المبكر. تقول إحدى الصلوات السومرية المكتشفة:
“أنا ممتلئ بالحزن مثل قصبة النا”.
وهذا يفسر سر ارتباط الناي العراقي (والشرقي عموماً) بالبكاء والشجن.

إلى جانب الناي الفضي، أظهرت الأختام الأسطوانية والمنحوتات السومرية (مثل تلك التي تعود لعهد الملك أورنمو) عازفين ينفخون في آلات قصبية مفردة ومزدوجة (تشبه آلة “المطبق” العراقية الحالية التي لا تزال تُعزف في ريف وجنوب العراق).

لم يكن صدفة أن يولد الناي في جنوب العراق؛ فالبيئة هناك قدمت المادة الخام المثالية: القصب.

تعتبر أهوار جنوب العراق (مملكة القصب) الموطن الطبيعي لغابات القصب والبردي. في هذه البيئة المائية العائمة، اعتمد السومريون ومن بعدهم سكان الأهوار الحاليون (المعدان) على القصب في كل تفاصيل حياتهم؛ بنوا منه بيوتهم (الصرائف والمضايف العظيمة)، وصنعوا منه قواربهم (المشاحيف)، واقتطعوا منه قصبات زمروا بها لترويض قطعان الجاموس، ولتسلية أنفسهم في ليالي الصيد الطويلة.

حتى يومنا هذا، يُقطع قصب الناي من حواف الأهوار، ويتم تفريغه وتثقيبه وتجفيفه بطرق تقليدية متوارثة، ليعطي ذلك الصوت الأجش الحنون الذي يُميز “الناي العراقي” أو “الكولة” و”الشبابة”.

يحمل الناي في جنوب العراق دلالات رمزية واجتماعية ونفسية عميقة، تتجاوز كونه مجرد آلة موسيقية:

صوت الحزن والشجن (الأنين)
إذا كان العود يمثل الطرب، فإن الناي يمثل الأنين. بيئة الجنوب العراقي بيئة قاسية تعاني من الفيضانات تارة، ومن الجفاف والحروب والتهجير تارة أخرى، ناهيك عن الموروث الكربلائي والطقوس الحسينية التي تملأ الجنوب بطابع الرثاء. صوت الناي (الذي يبدو وكأنه يبكي) هو الترجمة الحرفية لمفهوم “الونين” العراقي والموال الحزين. إنه يمثل قصبة اقتُلعت من جذورها في الماء وتبكي حنيناً للعودة.

تاريخياً، ارتبطت “الشبابة” (نسخة شعبية أقصر من الناي) والناي برعاة الأغنام وقطعان الجاموس في الجنوب. يستخدم الراعي الناي لجمع القطيع، وللتخفيف من وحشة الصحراء أو اتساع الهور. كما يعزف صيادو الأسماك في مشاحيفهم (قواربهم) ألحاناً فطرية تتماهى مع هدوء المياه وصوت مجاديف القارب.

في المجالس الصوفية المنتشرة في بعض مناطق العراق (مثل التكايا الكسنزانية والقادرية والرفاعية)، يعتبر الناي الآلة الرئيسية في “الحضرة” والذكر. يُنظر إلى جسد الناي المجوف والمثقوب كرمز للإنسان الذي يجب أن يُفرّغ نفسه من شهوات الدنيا، لتنفخ فيه الروح الإلهية فيصدر منه لحن الخلود.

لا يمكن أداء الأطوار الغنائية الريفية الجنوبية (مثل المحمداوي، والصبي، والجبيري) دون مرافقة الناي. فهو الآلة الوحيدة القادرة على التدرج بسلاسة مع “العُرب” الصوتية المعقدة والآهات التي يطلقها المغني الريفي العراقي.

الناي في جنوب العراق ليس مجرد امتداد لآلة قديمة، بل هو وثيقة تاريخية حية تُقرأ بالصوت. من “الناي الفضي” في أيدي ملوك وملكات أور قبل 4500 عام، وصولاً إلى قصبة الراعي البسيطة في أهوار الناصرية والعمارة

اليوم، ظل الناي المعبر الأول عن الروح السومرية التي امتزجت فيها دموع الإنسان بماء الرافدين.

صوتُ النايِ خيطٌ رفيعٌ ممّا تحوكُه الحياةُ في إزارِها، لذا يصدحُ في ليالي الأهوارِ ونهاراتِها.
إنَّ الوقتَ بعدَ عزفِ النايِ لا يشبهُ ما قبلَه؛لأنك فور استماعك تدرك ما يُلقيه الدفّانونَ من ترابٍ وهم يُلحدونَ الموتى، ولذا يُغمضُ مَن يستمعُ إلى أنينِ النايِ عينيهِ.

في صوتِ النايِ يأسٌ يذكّرنا أنْ لا رجاءَ من الوجودِ ومِن كلِّ شيءٍ، ما دامَ الموتُ سيّدَ الحقائقِ، وأنّ الترابَ هو مَآلُ الخدودِ والعيونِ الجميلة.

وحدَه النايُ مَن يُطلقُ الحزنَ مِن وقارِه، ويحرّرُه مِن أسرِه ليعيدَ مستمعيهِ إلى طفولتِهم، فيُبكيهم بعدَ أن تُترَعَ ذاكرتُهم بصورِهم وهم يملؤونَ حُجورَ أمّهاتِهم، ويتلقّونَ دمعَهُنَّ المدرارَ المنسكبَ على وجوهِهم الطفوليّةِ وهنَّ يهدهدْنَهم ليناموا؛ فقد استنسخَ النايُ “تلوليهنَّ” ونعيهنَّ ببراعةٍ.

النايَ يُلجئنا إلى الغائرِ العميقِ مِن الوجعِ السومريّ.

#أسعد_صباح