“الشرارة الأولى” التي أشعلت نار ثورة العشرين الكبرى ضد الاحتـ ـلال البريطاني، ليُجبر إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس على تغيير سياساتها والرضوخ لمطالب العراقيين في تأسيس دولتهم.
شعلان بن عناد أبو الجون، ويُكنّى شعبيًا بـ “شعلان الشهد”.
وُلد عام 1864م.
شيخ عشيرة “الظوالم”، وهي إحدى العشائر العربية الأصيلة ضمن تحالف قبائل بني حجيم، وكانت أراضيهم تمتد في منطقة العوجة بين نهر الأبيض ومدينة السماوة، وتحديداً في ناحية الرميثة بجنوب العراق
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، دخل البريطانيون العراق تحت غطاء “التحرير”، لكن سرعان ما تكشفت نواياهم الاستعمارية. تعامل الإنجليز مع العراقيين باستعلاء شديد، وحاولوا تطبيق سياسات الإخضاع التي كانوا يمارسونها في مستعمراتهم الأخرى مثل الهند.
بدأت القيادات الوطنية والعشائرية والدينية في النجف وكربلاء وبقية مناطق الفرات الأوسط بعقد اجتماعات سرية للمطالبة بالاستقلال التام والوفاء بالوعود التي قطعها الحلفاء للعرب. وقد وصلت تقارير هذه التحركات إلى الإدارة البريطانية، مما جعلهم يقررون ضرب بيد من حديد واعتقال أبرز المحرضين.
في أواخر شهر حزيران/يونيو من عام 1920، أصدر الحاكم السياسي البريطاني للواء الديوانية (الكابتن دالي) أوامره إلى حاكم ناحية الرميثة (اللفتنانت هيات) باستدعاء شيوخ المنطقة، وفي مقدمتهم الشيخ شعلان أبو الجون والشيخ غثيث الحرجان، بهدف توبيخهم واعتقالهم عقاباً على تحريضهم للأهالي
أدرك الشيوخ المكيدة، فاتفقوا على أن يذهب الشيخ شعلان وحده لاستطلاع الموقف، بينما يبقى الباقون في حالة تأهب. وقبل ذهابه، وضع شعلان خطة ذكية مع الشيخ غثيث؛ إذ أخبر مرافقه أنه في حال تم اعتقاله، فليطلب من العشيرة إرسال “عشر ليرات ألمانية/ذهبية”، وكانت هذه شفرة سرية تعني إرسال عشرة رجال مسلحين أشداء لاقتحام السجن
عندما مَثُل الشيخ شعلان أمام الحاكم البريطاني في الرميثة، استقبله الأخير بغطرسة وتوبيخ شديدين. لم ينحنِ شعلان، بل رد عليه بكل شجاعة وشموخ، محذراً إياه من عواقب السياسة البريطانية الرعناء، ومطلقاً مقولته الشهيرة: “إنكم في العراق ولستم في الهند.. والعراقيون غير الهنود”
استشاط الحاكم البريطاني غضباً، وأمر بزج الشيخ في السجن بانتظار ترحيله بالقطار إلى الديوانية ومن ثم إلى الخارج.
هنا، انطلق المرافق وأبلغ العشيرة بكلمة السر (الليرات العشر).
في صبيحة يوم 30 حزيران،عام 1920 تم اختيار عشرة أبطال من عشيرة الظوالم. أخفوا أسلحتهم تحت ثيابهم، وتوجهوا نحو السراي (السجن) البريطاني في الرميثة. هجم الرجال بغتة، وقتلوا أحد الحراس وجرحوا آخرين، وكسروا باب السجن ليخرجوا زعيمهم محررين إياه بالقوة، لينسحبوا به في عملية فدائية جريئة
كانت هذه الحادثة، وما تلاها من هجوم العشائر على القوات البريطانية في معركة عُرفت بـ “معركة العارضيات”، هي الرصاصة الأولى والشرارة الفعلية التي أشعلت نار الثورة العراقية الكبرى (ثورة العشرين) لتندلع في كافة أرجاء الفرات الأوسط والجنوب
لم يقتصر دور الشيخ شعلان على إطلاق الشرارة، بل قاد عشيرته في معارك ضارية ضد القوات البريطانية المدججة بأحدث الأسلحة آنذاك (المدافع، الطائرات، والرشاشات).
وفي غمرة التحدي، أطلق الشيخ شعلان وعشيرته أهزوجتهم (هوستهم) التاريخية التي أصبحت شعاراً للثورة:
“الطوب أحسن لو مگَواري؟”
و(الطوب) هو المدفع البريطاني، أما (المكوار) فهو عصا خشبية غليظة يوضع في رأسها قير صلب. كانت هذه الأهزوجة تعبيراً عن سخرية العراقيين من آلة الحرب الإمبراطورية، وإيمانهم بأن إرادة المدافع عن أرضه أقوى من مدافع المحتل.
استمر الشيخ شعلان أبو الجون في دوره القيادي جنباً إلى جنب مع مراجع الدين وزعماء العشائر، حتى أجبرت الثورة التي استمرت عدة أشهر بريطانيا على عقد الصلح في تشرين الأول 1920م، وتغيير سياستها لتتوج في النهاية بتأسيس الحكم الوطني العراقي وتنصيب الملك فيصل الأول.
بعد تأسيس الدولة العراقية، مُنح شعلان أبو الجون التقدير الذي يستحقه كزعيم وطني، وانتُخب نائباً عن لواء الديوانية في المجلس التأسيسي العراقي عام 1924م ليكون صوتاً في كتابة دستور البلاد.
رحل هذا البطل الشجاع عن عالمنا في 29 كانون الثاني/يناير 1930م، عن عمر ناهز 66 عاماً، تاركاً خلفه سيرة عطرة تُدرس للأجيال عن الكرامة ورفض الذل.
#أسعد_صباح