عباس شمس الدين
لا يمضي أسبوع، دون أن يمر عليك من ينعى بغداد وأهلها الأصلاء، وفقدانها لهويتها الضاربة في العراقة. آخرها نعي لروائي فاشل مولود في الناصرية، لم يسمع معظم الناس عنه من قبل، إلا ما كان قد سمعته من عقدين أو ثلاثة على أنه كاتب تقارير مميز!
المهم هنا هو ما معنى (فقدان بغداد لهويتها التاريخية)؟
إن أكثر ما يذكرون في علامات هذا الفقدان هو تبدل اللهجة البغدادية كما يسمونها أو انقراضها واختفاء داده وداگولك، وانقراض لبس الچراوية التي ورثناها من أور منذ أيام گوديا، فهاتان هما النقطتان الأهم في إثبات تغير المصير الحضاري لبغداد.
جيد.
لكن أين تقع بغداد الأصلية؟
تقع بغداد الأصلية ما بين باب الشرجي وباب المعظم يحدها اليوم الخط السريع من جهة الشرق، ويشهد الباب الوسطاني على ذلك، وفي الكرخ هي ما بين علاوي الحلة والشط.
وهذه المناطق ما زالت تحتفظ بمعظم ميزاتها التراثية فالأزقة الضيقة وطرائق السلوك وكثير من التقاليد هي هي. وما زالت داد وداگولك تمشي بين ناسها كالقراد في ثوب أجرب.
وبغداد الأصيلة الأصلية كانت على الدوام خليط ديني من الشيعة والسنة والمسيحيين واليهود (قبل هجرتهم) والبهائيين واليارسيين، وهي أيضا خليط عرقي من الفرس (قبل تهجيرهم) والأكراد والتركمان والعرب والأرمن. فهي لملوم لا مثيل له، لكنه متجانس لهجيا بشكل جيد ظاهريا، أما في الحقيقة، فقد كان الكرد يتكلمون الكردية والفرس الفارسية والتركمان التركية والأرمن الأرمنية حيثما سنحت لكل منهم سانحة، وكل يغني على ليلاه.
لذا فإن الحديث عن أصالة بغدادية هي أصالة موهومة، يراد بها في الغالب الطعن بشيعة الجنوب، الذين هاجروا إليها منذ خمسينات القرن الفائت؛ لذا تجد في غالب هذه التصريحات والمنشورات كيل الشتائم لعبد الكريم وللعتاگة بجلاء لا غبار عليه.
إن مسألة الفقدانية الثقافية لبغداد ليست من باب رصد لانهيار ثقافي ونوستالجيا شعبوية. فباستثناء قذارة أزقتها القديمة، وبلادة سكانها بشكل فج، وانتشار محلات البغاء فيها ومراكز الشذوذ بشكل لا يتوقع من عاصمة دولة مسلمة، فقد اشتهرت بأنها مدينة فاقدة للذاكرة، فهي تبتلع معظم تاريخها وتراثها، وتهدمه كشرب الماء، قارن للحظة بين القاهرة القديمة وبغداد القديمة، وشاهد كم بقي من مساجد وقصور وخانات ومدارس، وافعل الأمر عينه مع دمشق، وستختزي أيها البغدادي.
ثمة من يكره بغداد؛ لأنها تعيّره بأنه (محافظات)، وفي الحقيقة لا فضل لبغدادي على محافظاتي إلا بمقدار تجرده من مرض المناطقية.
ولدت في بغداد، وأشعر أنها ليست المدينة الفضلى للعيش، لكنها مكان كباقي الأمكنة، ليست جنة الخلد وليست الجحيم بالتأكيد.