“كوردستان تحتاج محمد بن سلمانها… فمن يتجرأ على الإصلاح؟

يحيى هركي

نحن لا نطلب المعجزات، بل نطلب رجلًا مثل الاميرمحمد بن سلمان يظهر في كوردستان. رجلٌ لا يخشى اقتلاع جذور الفساد مهما تعمّقت، ولا يساوم على كرامة الشعب ولا على المال العام، رجل يُحاسب الجميع دون تفرقة، من أعلى الهرم إلى أسفل السلم، ويعيد للوطن هيبته وللشعب كرامته. نحتاج إلى قائد يعلنها صراحةً: لا حصانة لفاسد، لا مكان للمتاجرين بمصير الأمة. كما فعلها الأمير محمد بن سلمان في السعودية حين أوقف أمراءً ووزراء وحتى بعض أفراد عائلته في فندق الريتز كارلتون الشهير، وأجبرهم على دفع المليارات للدولة، نريد في كوردستان من يفعلها أيضًا! من يوحّد الإدارتين، يضع حدًا للأحزاب المتناحرة، ويجعل من المصلحة الوطنية العليا رايةً لا تُنزل أبدًا.

منذ أكثر من ثلاثة عقود، رفع الكرد راية الأمل، واعتقدوا أن فجر الحرية قد بزغ أخيرًا بعد سنوات من القمع والتهجير والأنفال. نعم، حلموا بوطن صغير يحكمه أبناؤه، ويُنصف شهداءه، ويكافئ صبر أمهاته اللواتي بكين فلذات أكبادهن في الجبال والأنفاق. لكن، ويا للأسف! ما بين الحلم والواقع جسر طويل من الخيبات، جسرٌ تآكله الفساد، واحتكرته الأحزاب، وتحطم فوقه أمل المواطن البسيط. فهل كان هذا هو الثمن الذي دفعناه لأجل “الحكم الذاتي”؟ وهل ناضلنا كل تلك السنين لنقف اليوم أمام محطات الوقود بطوابير الذل؟ أم لنشتري صمتنا وكرامتنا بأكياس الرواتب المؤجلة؟!

منذ عام 1991، حين خرج إقليم كوردستان من قبضة النظام العراقي السابق بعد الانتفاضة الشعبية، انطلقت تجربة حكم ذاتي للكرد كان يُفترض أن تكون نقطة تحول نحو مستقبل مزدهر. إلا أن ما حدث لاحقًا لا يمكن وصفه إلا بالخسارة الكبرى التي مُني بها المواطن الكردي، نتيجة سوء الإدارة والفساد المتجذر والصراعات الداخلية بين الحزبين الرئيسيين: الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني.

فبدلًا من أن تكون هذه المرحلة انتقالًا إلى الحكم الرشيد، تحوّلت إلى حقبة من الفساد والتناحر والاحتكار، تاهت فيها أولويات الناس، وضاعت حقوقهم بين خنادق المصالح الحزبية. استمرّ الاقتتال الداخلي سنوات، ودمّر ما تبقى من ثقة المواطن بالقيادات الكردية. والمؤلم أن الأكراد أنفسهم لم يعودوا يثقون بأي حكومة كردية منذ الكابينة الأولى وحتى اليوم، بل ما زالت أنظار الغالبية العظمى منهم تتجه صوب بغداد، رغم كل المآخذ على النظام المركزي، وكأنهم يرون فيها ملاذًا أهون من جحيم الإقليم. وإذا  جرى استفتاء في إقليم كردستان على الاستقلال أو الانضمام إلى الحكومة الاتحادية، فأقسم بالله العظيم بأن أكثر من 80% سوف يطلبون أن ينضموا إلى الحكومة الاتحادية مرة ثانية، باستثناء أولئك الـ20٪ الذين يسيطرون على مفاصل الدولة، من أصحاب المليارات والمستفيدين من المناصب العليا.”

وأحد أبرز الأمثلة الصارخة هو ملف المحروقات، فلطالما حلم المواطن الكردي منذ عام 1991 بأن تتساوى أسعار الوقود مع باقي أنحاء العراق، لكن المفارقة أن المحروقات كان ولا يزال أغلى من أي وقت مضى. وفي حين باع الإقليم نفطه بشكل مستقل، لم يرَ الشعب أي فائدة تذكر، بل كانت تركيا هي المستفيد الأكبر. فرغم أن أسعار الوقود في تركيا كانت قبل 2003 من الأغلى في أوروبا، أصبحت اليوم أرخص بكثير، وذلك بفضل النفط الكردي الذي يُباع لها دون شفافية، وبدون أن تنعكس عائداته على المواطنين في الإقليم.

ومن الملفّات الشائكة الأخرى، مكاتب الإقليم في الخارج، التي لا تقتصر على جهة رسمية واحدة، بل تشمل مكاتب للحكومة، وأخرى للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وثالثة للاتحاد الوطني الكوردستاني، بالإضافة إلى فروع حزبية غير معلنة. كل هذه المكاتب تتقاضى رواتب ضخمة وتصرف ملايين الدولارات من المال العام، دون أن يلمس المواطن أثرًا حقيقيًا لوجودها، ودون أي محاسبة تُذكر.

إن من المقلق أن أي كاتب أو صحفي ينتقد الوضع الراهن لا يصل صوته إلى مراكز القرار، لأن الحاشية الفاسدة تتكفل بطمس الحقيقة، بل وقد تقوم بتهديده أو سجنه أو اغتياله. لقد أصبحنا بحاجة إلى شجاعة استثنائية، شجاعة مثل التي أظهرها محمد بن سلمان حين كسر التقاليد ووقف إلى جانب زوجته وابنه علنًا، معلنًا أن زمن النفاق قد انتهى.

إن تجربة الحكم الكوردي، بكل إخفاقاتها، بحاجة إلى وقفة صارمة، مراجعة شاملة، ومحاسبة جريئة لكل الفاسدين، بدءًا من الرأس إلى القاعدة. الشعب الكوردي لا يستحق هذا الذل، ولا يستحق أن يتحول الحلم القومي إلى كابوس يومي.

الخلاصة:

 رسالة إلى من يحيطون بمراكز القرار افتحوا النوافذ المغلقة… دعوا صوت الشكوى يصل إلى من بيده القرار، ولا تحجبوا الحقيقة خلف جدران مصالحكم الشخصية. لقد ولى زمن الاستبداد بالرأي، ولم يعد مقبولًا أن ترفعوا فقط الرسائل التي تُطربكم، وتدفنوا الرسائل التي تُزعجكم!

أنتم لستم أوصياء على الحقيقة، ولا على الشعب الذي ضحّى لأجل هذا الوطن. كفى عبثًا بمصير الناس، كفى تخوينًا لكل من يكتب بصدق ويدافع عن حق الفقير والمظلوم. فالأقلام الحرة لا تهدد الأوطان، بل تفضح الفساد وتحمي الشعوب من الانهيار.

من أراد أن يخدم وطنه فليضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ولينزل من برجه العاجي إلى هموم الناس اليومية. لا تحوّلوا الشعب إلى أعداء لأنهم يصرخون بالحق، بل استمعوا إليهم… فأنينهم هو البوصلة التي يجب أن تقود كل مسؤول حر.

التاريخ لا يرحم، والفرص لا تتكرر… فإما أن تصطفوا مع إرادة الشعب، وإما أن تخرجوا من المشهد غير مأسوفٍ عليكم. ،  ليكتب التاريخ بمدادٍ من خيبة…”