الغليان الوطني بين الظلام والعجز: قراءة في مأساة الكهرباء العراقية

حسين شكران الأكوش العقيلي

في خضم موجة حرٍ لاهبة تجاوزت فيها درجات الحرارة الخمسين مئوية، يقف العراقيون أمام سؤال وجودي يتكرر كل صيف: لماذا نبقى بلا كهرباء؟ ولماذا تتجدد الكارثة بينما تتجدد الوعود دون تنفيذ؟ هل باتت المعاناة قدرًا لا يُرد، أم أن هناك من يتعمد إبقاءنا في دائرة الحرمان؟

مشهد مأساوي يتكرر: دولة نفطية تغرق في الظلام

في بلد يُعد من أكبر منتجي النفط في العالم، تغيب الكهرباء الوطنية عن أكثر من 70% من ساعات اليوم، فيما ترتفع أسعار المولدات الأهلية لتبلغ أرقامًا تفوق قدرة المواطن البسيط، دون أن تكون بديلاً كافيًا أو رحيمًا. المدارس تُغلق، المستشفيات تنهار، الأطفال ينامون فوق الأسطح، والشيخوخة تتعرض للموت البطيء بفعل حرارة لا ترحم.

 الأسباب المتشابكة… والفشل المتراكم

– اعتماد أحادي على الغاز الإيراني دون بناء منظومة بديلة أو احتياطية محلية.

– عقوبات دولية وعجز تفاوضي حكومي جعل العراق رهينة للصراعات الإقليمية.

– هدر مالي يتجاوز 75 مليار دولار دون أي مساءلة فعلية أو نتائج ملموسة.

– سوء توزيع الطاقة لصالح المجمعات التجارية والمولات الكبرى، بينما تغرق الأحياء الشعبية في العتمة.

 المواطن… ضحية صيف السياسة

كل عام، يُطلب من المواطن أن يصبر، أن يتحمّل، أن يستعيض عن الحقوق بالاحتمال. لكن حرارة الصيف العراقي باتت أقوى من مناشدات الصبر، وأكثر فتكًا من عبارات “جاري المعالجة” التي تتكرر على ألسنة المسؤولين. الجسد العراقي منهك، والروح مشتعلة، والمحاسبة مؤجلة إلى أجلٍ غير مُسمّى.

 الشمس… عدوٌ أم كنزٌ مهدور؟

العراق، بلد الشمس الساطعة، ما زال يفتقد استراتيجية وطنية للطاقة الشمسية رغم وفرتها المجانية. وإن استُثمرت، لأمكن أن يتحول الغليان إلى طاقة، وأن تُصبح الشموس التي تحرق الأجساد هي ذاتها التي تنير البيوت وتُنعش الأرواح.

 من الوعود إلى الإرادة: خارطة إصلاح ممكنة

– إلزام الحكومة بالكشف عن مصير الأموال المنفقة على الكهرباء منذ ٢٠٠٣ وتقديم تقارير مفصلة للرأي العام.

– تحقيق العدالة في التوزيع الكهربائي وفق الحاجة لا حسب النفوذ أو الامتيازات.

– إطلاق خطة طوارئ للطاقة الشمسية والمولدات الاستراتيجية في المدارس والمستشفيات.

– إنشاء هيئة رقابية شعبية للكهرباء تشرف على العقود والتوزيع وتقديم تقارير دورية مستقلة.

– ربط الطاقة بالأمن القومي والسيادة وجعلها بندًا ثابتًا في أي تفاوض دولي أو إقليمي.

 ختاما من الظلام إلى السيادة النورانية

إن أزمة الكهرباء في العراق ليست مسألة فنية فحسب، بل هي مرآة لعقود من غياب الإرادة، التبعية الاقتصادية، وتآكل الشعور بالمسؤولية الوطنية. فلا يجوز أن يبقى المواطن حبيسًا بين نار الشمس ونار الإهمال، بينما ما زالت خزائن الدولة تنفق دون عائد ملموس.  

الكهرباء ليست رفاهية بل حقٌ سيادي، وهي امتحانٌ صارم لصدقية الدولة أمام شعبها.  

إن معالجة هذا الملف ليست ترفًا انتخابيًا، بل هي ضرورة وجودية تمس كرامة العراقي وسلامته، وتُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والحكم. فإما أن تضاء البيوت بالنور، أو تبقى القلوب مشتعلة بالغضب المشروع حتى يتحقق الإصلاح الحقيقي.

وزارة الكهرباء