ماجد الشويلي
لقد أفرزت انتخاباتُ الدورة السادسة لمجلس النواب العراقي طيفًا واسعًا من المعطيات الحديثة والمخرجات اللافتة، التي يمكن توصيفها بأنها تشكّل منعطفًا راديكاليًا في مسار العملية السياسية،
وتُمهّد لمرحلة نوعية جديدة تعيد صياغة فلسفة النظام السياسي برمّته على مختلف المستويات.
وفيما يلي أبرز المؤشرات التي حملتها صناديق الاقتراع، وما بشّرت به من إرهاصات لولادة واقع سياسي مختلف في البلد.
أولًا:
أظهرت الانتخابات أنّ الأغلبية الشيعية لم تعد مجرد حقيقة اجتماعية، بل باتت حقيقة سياسية مكتملة الأركان، تمتلك عناصر النضج والأهلية في الفكر السياسي والمنظومات المعرفية،
وتتكامل بصورة طبيعية مع دور المؤسسة الدينية، مستنيرة بإرشاداتها وفق مقتضيات المرحلة.
ثانيًا:
كشفت نتائج الانتخابات عن تنامٍ ملحوظ في وعي البيئة الشيعية،وإعادة تشكّل معايير التقييم والاختيار لدى جمهورها،بما يعكس قدرة أكبر على ضبط مزاجها العاطفي.
فرغم الطابع المقاوم لقوى الإطار التنسيقي وقربها من إيران، ورغم خطابها المبدئي في مواجهة المشاريع الصهيو–أمريكية، وهو مكلف عادة ولا يحظى بذلك الرواج في سوق الدعاية الانتخابية ، إلا أنها حظيت بقبول جماهيري واسع، مع أن هذه الحاضنة ربما تكون الأكثر احتياجًا للخدمات الأساسية والبنى التحتية.
ثالثًا: ومن الظواهر اللافتة بروز تمايزٍ موضوعي في أولويات الناخب الشيعي.
فمن رأى أن الأولوية تكمن في الخدمات والبنى التحتية منح صوته لقائمة التنمية والإعمار، فيما ذهب آخرون باتجاه القوائم التي جعلت من صيانة الوجهة الاستراتيجية للعراق أولوية قصوى، خصوصًا في ما يتعلق بضبط الإيقاع السياسي تجاه الغرب. وقد جرى هذا التنافس في إطار اختلافات موضوعية في الرؤية،
من غير أن يتحوّل إلى ظاهرة انقسام اجتماعي داخل البيئة الشيعية.
رابعًا: تأكد أن الجماهير الشيعية تزداد تمسّكًا بمكتسباتها السياسية كلما اشتدّ عليها الخطر وارتفع منسوب التهديد.
فالوعيد والتشويه والاستهداف الذي تعرضت له كان من أقوى الدوافع التي دفعت بها نحو الحضور الواعي والفاعل يوم الاقتراع، في دلالة واضحة على أنها حاضنة معبّأة فكريًا وعقائديًا، ومستعدة لصناعة ملحمة جديدة إذا استوجب الأمر، على غرار ملحمة الحشد الشعبي.
خامسًا: ومن الظواهر الجديرة بالتأمل هي النجاحُ الكبير الذي حققته حركة العصائب، وقدرتها على حصد الأصوات بثقة عالية، على الرغم من كونها تشكيلًا مقاومًا يُحسب على إيران، وعلى الرغم من خوضها ملفات استراتيجية قد لا تكون في صدارة اهتمامات الناخب العادي، مثل ملف المياه والاحتلال التركي والتطبيع وبقاء القوات الأمريكية.
ويعود هذا النجاح في تقديري إلى قراءة سياسية رصينة، وتشخيص دقيق للواقع، وحسن إدارة وتدبير، فضلًا عن الأداء الوزاري المتميز والدور الفكري والعقائدي لقيادتها في صياغة رؤيتها واطروحتها وتقديمها للجمهور.
سادسًا: كما برز في هذه الانتخابات دخول الكتائب إلى المعترك السياسي بصورة مباشرة وعلنية ، ورغم أنهم لم يحققوا مقاعد كافية، إلا أن النتائج التي سجلّوها —بالنظر إلى شدة التنافس فان خطواتهم الأولى تشير إلى إمكانية بلوغهم ما بلغته العصائب خلال فترة وجيزة، شريطة معالجة الثغرات، وفي مقدمتها شاغر القيادة الإعلامي الذي يحدّ من فاعلية حضورهم.
سابعًا: ومن الظواهر البارزة تأثيرُ السيد المالكي في المزاج الجماهيري،فبرغم عدم امتلاكه للسلطة.
الا أن خطابه لا زال يشكل عاملًا مؤثرًا في مجريات العملية السياسية، ما يعكس أن الجمهور الشيعي لا يمنح ثقته لوهج السلطة فحسب ، بل يمنحها لمن يراهم عناوين فاعلة ذات أثر تاريخي وسياسي.
ثامنًا: أما عدم التجديد لبعض النواب المعروفين بنزاهتهم ومواقفهم، مثل رائد المالكي وأمير المعموري وياسر الحسيني، فلا يدل على تراجع قيمتهم أو تجاهل دورهم، بل يعكس وجود مرتكز منطقي في ذهن الناخب الشيعي يرى من خلاله أن المرحلة المقبلة بما تحمل من تحديات جسيمة، تتطلب الركون إلى قوائم قوية وقادرة على التآلف مع قوى شيعية أخرى، لعبور المنعطفات السياسية الكبرى.
تاسعًا: كان للمرجعية الدينية العليا، أعزّها الله، ولفضلاء الحوزة العلمية دورٌ حاسم في توجيه الناخبين نحو صناديق الاقتراع.
وقد جاء تعطيل الدروس الحوزوية من قبل سماحة السيد محمد رضا السيستاني.
رسالةً واضحة الدلالة على أهمية الانتخابات وخطورة العزوف عنها، بما يعكس حجم الشعور بالمسؤولية في لحظة سياسية شديدة الحساسية.