غفار عفراوي
لا يمكن فهم المجتمع العراقي من خلال النظريات العامة التي طُبِّقت على المجتمعات الحديثة، لأن هذا المجتمع تشكّل في بيئة فريدة تداخلت فيها العقيدة بالتاريخ، والعاطفة بالعقل، والمظلومية بالمقاومة.
فالعراقي لم يكن في يوم من الأيام كائنًا سياسيًا عابرًا، بل هو مشروع إنساني تشكّل على نار التجارب والألم والبطولة.
منذ فجر التاريخ، كانت أرض الرافدين مسرحًا للتناقضات الكبرى: من سومر وبابل وآشور، إلى الفتوحات الإسلامية، فالعصور العباسية والعثمانية، وصولًا إلى الدولة الحديثة.
وفي كل مرحلة، كان العراقي يتفاعل مع السلطة لا بوصفه تابعًا، بل ككائنٍ يحاكمها بمعيار أخلاقي داخلي.
فعندما خرج الإمام علي عليه السلام من الكوفة إلى صفين، كان معه أهل العراق، يؤمنون بالعدل أكثر مما يؤمنون بالنصر.
وعندما استُشهد الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، لم يكن الموقف الشعبي عابرًا، بل تحوّل إلى رمزٍ دائمٍ للثورة ضد الظلم، وإلى جزءٍ من الوعي الجمعي الذي شكّل لاحقًا جوهر الشخصية العراقية.
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الذاكرة العراقية تحمل في طياتها جدلية دائمة بين الطاعة والتمرد، بين الولاء والرفض، بين الإيمان بالحق والعجز عن تحقيقه.
لقد حاول الدكتور علي الوردي أن يفسّر هذه الازدواجية في شخصية الفرد العراقي من خلال مفهوم “الصراع بين البداوة والحضارة”.
فالعراقي يعيش بين قيم الشرف والكرم والانفعال العاطفي التي ورثها من البادية، وبين قيم النظام والعقلانية والتسامح التي ورثها من الحضر والمدن.
وهذا الصراع هو الذي جعل العراقي سريع الغضب، لكنه أيضًا سريع العفو؛ متديّنًا بالفطرة، لكنه ناقدٌ للسلطة الدينية والسياسية حين تنحرف؛ ثائرًا في النهار، زاهدًا في الليل.
ولعلّ أبرز الأمثلة التاريخية على هذه الطبيعة المركبة ما شهده العراق في ثورة العشرين، حين اجتمع شيوخ العشائر والعلماء ورجال الدين من مختلف المذاهب تحت راية واحدة لمقاومة الاحتلال البريطاني.
لم تكن الثورة آنذاك مجرد حركة وطنية، بل كانت تجلّيًا واضحًا لتلك الروح التي ترفض الإهانة وتقدّس الكرامة.
لكن سرعان ما عاد الانقسام بعد النصر، وتفرّقت القيادات بين الولاء للمصالح الفردية والبحث عن السلطة.
هكذا يعيد التاريخ نفسه في العراق: تتوحّد المواقف عند الخطر، ثم تتنافر عند توزيع الغنائم.
وفي العصر الحديث، تكرّر المشهد في انتفاضة 1991 ضد سلطة حزب البعث الصدامي، ثم في احتجاجات تشرين 2019 ضد سلطة معارضي البعث!
في الحالتين خرج الشباب ليقولوا “نريد وطنًا”، وهو شعار بسيط في ظاهره، لكنه في عمقه تعبير عن الحاجة القديمة ذاتها: كرامة، عدل، حاكم يسمع، ودولة لا تُهين أبناءها.
هذا الصوت الشعبي لم يكن فوضويًا كما يُقال، بل استمرارًا لميراث طويل من الوعي المقهور الذي يبحث عن خلاصه.
إن العراقي، حين تثور كرامته، يتحول إلى طوفان، وحين تخدر إرادته، يغرق في صمته.
لكنه في الحالتين، يبقى محكومًا بمنظومة أخلاقية لا تنكسر بسهولة.
هو لا ينسى الجميل غالبا، ولا يغفر الإهانة، وقد يختلف مع أخيه، لكنه لا يرضى أن يُهان وطنه.
المجتمع العراقي إذًا، ليس كتلة غامضة من التناقضات، بل بنية معقدة من التفاعلات التاريخية والنفسية التي أنتجت إنسانًا يرى العالم من زاوية العدل والظلم، لا من زاوية الربح والخسارة.
وما يمرّ به العراق اليوم من اضطراب سياسي وانقسام اجتماعي هو نتيجة طبيعية لتلك الازدواجية القديمة التي لم تُحلّ بعد:
هل نعيش وفق المبدأ أم وفق المصلحة؟
هل نثور كما الحسين، أم نصبر كما الحسن؟
ولعلّ هذا السؤال سيبقى مفتوحًا ما دام العراقي يبحث عن الحاكم الذي يجمع النزاهة بالحزم، والإيمان بالفعل، والرحمة بالقوة.
فمن دون فهم هذا التاريخ العميق، لن نستطيع فهم العراقي كما هو، بل سنراه دائمًا متناقضًا في الظاهر، بينما هو في الحقيقة متوازن في صراعه الأزلي بين الأرض والسماء.
العراقي يعرف الحق… لكنه ما زال يتألم من ثمنه.
#غفار_عفراوي
١٣ نوفمبر ٢٠٢٥