حسين القاصد
بغض النظر عن كونك عزيزي القارئ الكريم مع نتائج الانتخابات أو ضدها، وبمسافة واحدة من الجميع، لنا هذه الوقفة مع معطيات الانتخابات من فوز وخسارة.
جرى السباق الانتخابي مثل أي سباق في حسابات الفوز والخسارة، وكالعادة للفائز أن يحتفل وللخاسر أن يشكك ويعزو ذلك إلى أسباب ليس منها مراجعة حساباته وخططه، بل هي أسباب ترضي جمهوره مثلما يجري تماما في أية مباراة لكرة القدم.
لكن الانتخابات و بعض نتائجها التي تضمنت مفاجآت تستحق وقفة للتمعن فيها.
في حسابات الجمهور الثابت نجحت بعض الكتل وحققت ما تصبو إليه، وهو نجاح متوقع بحكم الحسابات العقائدية التنظيمية والفكرية والمرحلية الجديدة؛ وأعني بالمرحلية الجديدة تلك التي انتهجتها قائمة الاعمار والتنمية، ومنها الجانب السلطوي لكون القائمة هي قائمة رئيس الحكومة، وقبل ذلك نذهب باتجاه الأسباب الأخرى، فلقد استقطبت هذه القائمة جمهورا ناقما على العملية السياسية، وجمهور المواقف الرمادية التي ليست مع أو ضد، وبذلك تمكنت من الجمهور الذي لم يكن أغلبه يشارك في الانتخابات،
بعد أن ضمت القائمة مرشحين يلبون طموحات هذا الجمهور، وقطفت النتائج التي قطفتها بغض النظر عن فوز أو خسارة المرشح الرافض للعملية السياسية أو صاحب الموقف الرمادي فالأصوات ونسبة المقبولية تذهب لصالح القائمة.
هذا الجمهور الذي استقطبته قائمة الاعمار والتنمية هو جمهور خارج حسابات الكتل السياسية الكبرى، وليس لكتلة تريد الصدارة أن تحققها وتنتصر على على الكتل الحزبية المنظمة، فضلا عن أن رمزية منصب رئيس الوزراء وحده لا تكفي.
ولعل المفاجآت القادمة المتوقعة جدا هي الوقوع في الكمين الذي وقع فيه السيد العبادي، وقد صرح بذلك مرشح القائمة قصي محبوبة، حين قال إن أغلب أعضاء القائمة سينسحبون منها بعد الانتخابات، وهذا ما يدور حوله الكلام الآن في أروقة الساسة.
ترشيح وزراء من الحكومة في القائمة نفسها حقق نفعاً مضاعفاً، فمنجز الوزير بقي حكوميا تحت هيمنة رئيس الوزراء، وليس منجزا شخصيا للوزير ولا حزبيا للكتلة التي رشحته بل لشخص رئيس الوزراء الذي هو رئيس القائمة وهذا ما وقع فيه وزير العمل والشؤون الاجتماعية، وزير الفئة المستهدفة انتخابيا في كل دورة، ولأن السيد السوداني كان وزيرا لهذه الوزارة ويعرف الشرائح المستهدفة؛ وكانت النتيجة أن القائمة حصدت أصوات هذه الشريحة.
من الجمهور غير المتسق مع الكتل السياسية الكبرى كان جمهور المثقفين وهؤلاء أغلبهم لا يكترثون للانتخابات ويحكمون على نتائجها سلفاً، لكن هذه المرة ومع أن النتائج نفسها، استقطبتهم السلطة فرأينا المثقفين يكتبون بلا حرج لدعم هذا المرشح أو ذاك، بعد أن كانوا يترفعون عن الدعم أو يتسترون إذا دعموا سياسيا من باب أن المثقف له سلطة تنافس السياسي وليس له أن يصطف مع أي الحكومات!،
لكن المثقف يسهل تدجينه لا سيما إذا قلت له تعال انتخب صاحبك المثقف، ولقد حدث ذلك فعلاً وذهبت للقائمة أصوات المرشح المثقف أو المتثاقف أو البلوگر أو الناشط، كلهم ذهبت أصواتهم وأصوات ناخبيهم إلى القائمة، ولهم جزيل الشكر والتقدير، نلتقيهم في الانتخابات القادمة!!.
هذه الشريحة المثقفة المتثاقفة، الناشطة المتناشطة، بعض جمهورها يمثل ( تشرين) والحزب الشيوعي والمدنيين، اكرر: بعضهم لأن البعض الآخر من عبدة الترند، وبعد أن تم توجيه بوصلة هذه الشريحة إلى قائمة الإعمار، وبعد تجربة المدنيين والتشارنة مع ممثليهم في الدورة السابقة، وانفتاح قائمة الإعمار على الخطاب المغازل لأمريكا وظهور المبعوث الأمريكي مع رئيس الحكومة، تصريحات بعض أعضاء القائمة مثل قصي محبوبة، نشطت منظمات المجتمع المدني وتلك التي تدعي أنها منظمات ثقافية لدعم ممثليها ودعم توجه الحكومة الجديد، لا سيما الجماهير التي تنتخب كل من هو ضد أي جهة لها توافق مع إيران،
في ظاهرة تخندق ناعمة لكنها واضحة والدليل نتائجها، إذ لم يحصل تحالف البديل على أي مقعد لأن قائمة الإعمار احتوت من يراه الشارع بديلا.
لكن، وعلى الرغم من السطوة والمال والمنافع والمناصب وكتب الشكر من الحكومة، كان للسيد الحلبوسي أن يترك خطابه المعتدل ليلجأ للخطاب المستفز ليثأر ممن حاربوه، فتارة يوجه سهامه طائفيا وأخرى يطلب من أبناء جلدته أن يجلسوا في ( طرف الديوان) وهو خطاب شعبوي أثبت نجاحه جماهيريا، لأن العراقيين يحبون الخطابات الرنانة فالتصريحات الرنانة لها صداها حتى لو لم تثمر على أرض الواقع، لأن الخطابات تمثل نسقاً تعويضياً للنفس عن الانكسار الجمعي، فضلا عن كونها نسقاً مخاتلا لاصطياد الجمهور.
ولكن الحلبوسي أثبت أنه رقم سياسي صعب، يجيد قراءة الأحداث، وسيعتدل خطابه قريبا إذا سارت الأمور لصالحه، ولن يرتفع صوته حتى إذا لم يحصد ما يريد.
المقاطعة والطاعة
لقد مثل التيار الصدري النموذج الناصع للمقاطعة من خلال الطاعة المطلقة لقائده، وكانت المقاطعة السلمية درسا ديمقراطيا جديدا ورصيدا للتجربة الديمقراطية في العراق، ولا تحدثني عن بعض الأمور هنا أو هناك، فالمقاطعة تحققت والانتخابات تمت، ولم يكن السيد مقتدى الصدر ضد إقامة الانتخابات بل كان متحفظا على من سيفوزون لذلك قاطع ونجح في تحقيق ما أراده. فألف تحية لمن قاطع ومن انتخب.
في عملية نمو مدروسة، ودقة تخطيط، فاجأت عصائب أهل الحق الجميع، ودخلت الانتخابات بشكل منفرد، وفازت بل نافست الجميع، وأرى أن على التيارات الجماهيرية لا سيما الحزبية منها، أن تدرس خطوات التطور التخطيطي المثمر لدى العصائب.
المالكي ذلك الرقم الصعب
تتفق معه أو تختلف، تؤيده أو ترفضه، هو صعبٌ في الحالين؛ فالرجل الذي هو من حزب فكري عقائدي نخبوي، هو في الوقت نفسه له رمزية جماهيرية أربكت قراءات منافسيه ورهاناتهم، ويكفي أنك ترفضه بشدة لتنصر مرشحك بشدة أكثر فيفوز مرشحك ليس لأنه يستحق الفوز بل لأنه يكره المالكي لا أكثر!!.
المالكي غادر السلطة منذ زمن، وبعدها لم يرشح نفسه حتى في الانتخابات لدورات سابقة، وقد قاطع حكومة الكاظمي، وسحبت من اتباعه المناصب، فهو لا يملك منصباً كي تطمع الجماهير في مكاسب التعيينات والهبات وما إلى ذلك.
لكن في انتخابات قد تمثل انتحاراً سياسيا و جماهيريا في آن واحد، دخل الانتخابات ليؤكد أنه الرقم الأصعب، على الرغم من انسحاب رئيسي حكومتين سابقتين من ائتلافه بل من حزبه!!؛ وعليك أن تسأل: كيف لرجل استهدفته وسائل الإعلام والدول و قيل ما قيل، لكنه فاز وتفوق على من لهم مناصب ودعم داخلي أو خارجي؛ وها هو مجددا يشكل الرقم الأصعب، وبغض النظر عما ستؤول إليه الأمور، لنا أن نقرأ بإمعان تجربة المالكي.
للحديث تتمة مع بقية الكيانات.
١٣ / ١١ / ٢٠٢٥