نفنوفٌ أحمر بقلم. ا. محمد جبر حسن

نفنوفٌ أحمر
الجزء الأول

منذ أن غادرت عائلة “أم أريج” منزلها في ذلك الزقاق، إثر الفضيحة التي زلزلت أركان المحلة، خيّم على المكان صمتٌ ثقيل وريبة لا تنقشع.. حادثة هروب “أريج” مع عشيقها لم تمرّ كخبر عابر، بل غرست خنجرًا في خاصرة الحي، وتركت لعنة عارٍ تسري في جدران البيت، كأن الجدران نفسها ابتلعت الفضيحة حتى صارت تتقيّأها في وجوه المارّة.
كلّ من يمرّ بجانبه، يشيح بعينيه، ويتلفّت خفية، كأن العار داءٌ معدٍ يُنقل بالأنفاس والنظرات.

في تلك الليلة السوداء، أُغلق الباب على عجل، وغادر سكان الدار تحت جنح الظلام. أسابيع قليلة فقط، حتى تسلّل اللصوص إليه، نهبوا ما تبقّى من أثاثه البائس، وسرقوا حتى الباب الحديدي الخارجي.
تحوّل البيت إلى هيكلٍ أجوف، متهالك، تتسلّل الشمس عبر شقوقه المهملة، ويملأ صمته المواء الحزين لجحافل القطط التي اتّخذته مأوىً نهارًا.

أما ليلًا، فشيء آخر..
فقد صار ملجئًا خفيًا لعددٍ من شباب الحيّ، يتسلّلون خلسة ومعهم زجاجات المشروبات الكحولية، أرواحهم محمومة تبحث عن مفرّ من قبضة الأهل وثرثرة الجيران، وسط الضحك الخافت ورائحة السجائر المخلوطة برائحة الكحول.. والبول.

ظلّ البيت على حاله، كندبةٍ عميقة في وجه الزقاق، لا يندمل أثرها، ولا يتجرأ أحد على الاقتراب منها.. حتى جاء صباحٌ قائظ من صيفٍ ثقيل، صوته الوحيد اهتزاز محرك سيارة “بيكب” بيضاء توقّفت أمام المنزل، وترجّل منها عمّال بناء بملابسهم المغبّرة، يفرغون أكياس الإسمنت والرمل، وبابًا حديديًا جديدًا.
بدأوا في ترميم الخراب بصمت، لا أحد عرف المالك، ولا أحد تجرأ على السؤال.
عيون الجيران تراقب من خلف ستائر مهترئة، والهمس تسلّل بين النوافذ، لكن اللغز بقي مُغلقًا بإحكام.

وبعد أيام، في ظهيرةٍ ثقيلة، وقفت أمام البيت سيارة حمل كبيرة، نزلت منها امرأة على مشارف الخمسين من عمرها، غير أن ملامحها تخون عمرها تحت طبقات المكياج الصارخ وكحل العيون المبالغ فيه.
جذب حضورها أنظار الصبية، فتجمهروا حولها بفضولٍ طفولي، عيونهم اتّسعت وهم يحدّقون بمظهرٍ غريب، غريب تمامًا عن رتابة الحيّ.
ثوبٌ أحمر فاقع، يلمع تحت أشعة الشمس كاللهيب، مفتوح عند الصدر، يكشف بلا خجل عن مفاتنها.. جسدها الممتلئ قليلًا يرتجّ مع كل خطوة، وذراعاها العاريتان تتزيّنان بأساور ذهبية تصدر رنينًا مع كل حركة.
شعرها مصبوغ بالأشقر الفاتح، مصفّف بتسريحةٍ متكلّفة، وعبق عطرٍ رخيص يسبقها بخطوة، يختلط برائحة تبغٍ فاسد تنبعث من سيجارة مشتعلة بين أصابعها.
تمضغ علكة كبيرة بصفاقة، كأنها تسخر من كل من حولها، أو كأنها تدوس على أعراف الناس في هذا الحي ببساطة مدهشة.
تقدّمت من السيارة خطوتين، نفثت دخان السيجارة في الهواء الثقيل، ثم صاحت بصوتٍ أجشّ، نبرته خالية من أي ذوق:

– هاي شنو؟ ليش ما صابغين الباب؟!

————————————-

نفنوف أحمر
الجزء الثاني

تردّد صوت المرأة في الزقاق الضيق كصفعة في وجه السكون.. بعض النسوة، الجالسات خلف الأبواب النصف موصدة، أسرعن إلى الداخل وهنّ يتمتمن بكلمات متباينة، بين الاستغراب والاستنكار، كأنّ شيئًا ما في حضورها أيقظ ذاكرة خافتة أو نبوءة سيئة.
أما الصبية، فظلّوا واقفين كأنهم أمام مشهد سينمائي لا يُعرض كل يوم، تحدّق أعينهم بفضول جريء، لم يعُد يعرف الخوف طريقًا إليه.

لم تلتفت إليهم، اكتفت برمي عقب سيجارتها على الأرض وسحقه بكعب حذائها الأحمر العالي، ثم التفتت إلى السائق، الذي كان يهمّ بفتح باب صندوق الشاحنة، وقالت بنبرة صارمة:

– نزّل لي الكراتين أول شي.. الباقي بعدين.
ودير بالك زين.

هزّ الرجل رأسه وأخذ يُنزل صناديق كرتونية متوسطة الحجم، وبعض الأكياس السوداء الثقيلة، لم يكن ثمة أثاث يُذكر، فقط كراتين ملفوفة بشريط لاصق، وحقائب قديمة كأنها خرجت تواً من زمن آخر ومنضدتين واربعة كراسي، وسجادتين وأفرشة للنوم، مع طباخ غازي صغير وقنينة غاز، وبعض مستلزمات المطبخ.. ولا يوجد هناك لوحات ولا تحف ولا اكسسوارات غير ضرورية..

دخلت المرأة إلى البيت بخطى واثقة، دون أن تنتظر من يرافقها.. توقفت عند العتبة، وضربت الباب الحديدي الجديد براحة يدها، كأنما تختبر صلابته، ثم قالت بصوتٍ سمعه من كان يمرّ:

– زين.. أهون من الخرابة اللي شفتها أول مرة.

ما إن أُغلق الباب خلفها، حتى بدأت الأسئلة تتطاير كالدخان بين الأزقة الضيقة:
مَن تكون؟ هل هي صاحبة البيت الجديدة؟
أرملة عادت من الغربة؟ أم مطلّقة فرت من فضيحة؟
قالت إحدى النساء إنّها قد تكون من أقرباء أم أريج.
أما شاب من أبناء الحي، فأقسم أنه رآها أكثر من مرة في منطقة البتاويين، تتجوّل عند المقاهي المشبوهة.

أبو سعد، الرجل العجوز الذي اعتاد الجلوس عند عتبة دكانه منذ أكثر من أربعين عامًا، تمتم وهو يحدق في البيت بعينين ضيقتين، كأنما ينقّب عن ماضٍ نسيه الجميع:

– هاي النثية أبد مو غريبة.. چني شايفها يم بيت رزاق أبو الإسكلة قبل عشر سنين..
بس شجابها لهنا؟

حين هبط المساء وسكنت الحركة، لاح من نافذة الطابق العلوي نور باهت، وسُمع صوت مذياع قديم يشقّ الصمت بأغنية حزينة لسعدي الحلي:

– حبيبي أُمك متقبّل من أحاچيك..
روحي معلگة بيك..

كان الصوت يخرج بصوت خفيض متقطّع، كأن المذياع يحتضر، تصاحبه صفگة وترديد صوت نسائي أجش، جعل الجدران ترتجف بصدى غامض، مألوف.. لكنه موحش.

حاول بعض الجيران التجسّس من نوافذهم، لكن الستائر الثقيلة التي أُسدلَت بإحكام حالت دون رؤية أي شيء.. ومع هذا، بقيت العيون متسمّرة تنتظر، تسمع ولا ترى، وتنسج القصص في خيالها.

وبعد ساعة، خرج فتىً لا يتجاوز عمره السادسة عشر من الباب الأمامي.. لم يسبق لأحد أن رآه من قبل.
كان أنيقًا، يضع سلسلة فضية حول رقبته، يحمل بيده كيس نفايات صغير. لم يُلقِ السلام، ولم ينظر يمينًا أو يسارًا، فقط ألقى بالكيس في الحاوية القريبة وعاد أدراجه بخفة لا تشبه خطوات أبناء الحي.

في تلك الليلة، وبينما كان الأولاد يتجمّعون عند زاوية الزقاق يتبادلون القصص والهمسات، قال أحدهم وقد اتسعت عيناه كمن رأى شبحًا:

– قسمًا بالله شفتها تمشي بالممر، لابسة نفنوف أحمر.. شفاف!
چانت تصيح على ذاك الولد وتضحك.. ضحكتها مثل ضحكة الساحرات بأفلام الأبيض والأسود!

ضحك رفاقه، بعضهم بخبث، وبعضهم بتوتر خفي، لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب من بيتها.

ومنذ تلك الليلة، لم يعد الحيّ كما كان.
تحوّل من مكان عادي إلى لغزٍ صغير ينبض بالفضول والتوجّس.
وصار الجميع، من النسوة إلى العجائز والصبية، يتهامسون بلقبٍ جديد يتردّد كلما خيّم الليل:

– المرأة ذات “النفنوف الأحمر”..

————————————
نفنوف أحمر
الجزء الثالث

في اليوم التالي، وقُبيل الظهيرة، توقّفت سيارة بيضاء من نوع “شيفروليه كابريس” أمام البيت.. سيارة من طراز نادر لا تمرّ في أزقة كهذه إلا نادرًا، وغالبًا ما تكون إشارة إلى “ناس مهمين”.. أولئك الذين لا يُسأل عنهم، ولا يُحدّق فيهم أحد أكثر من اللازم.

لم يترجّل السائق.
نزل الشاب الجالس في المقعد الأمامي وفتح الباب الخلفي، وخرج منه رجل خمسيني ذو قامة متوسطة، يرتدي بدلة زيتونية اللون، أنيقة مثل تلك التي يلبسها الرفاق الحزبيون، يحيط بكرشه الصغير حزام- نطاق عسكري يحمل مسدس يتدلى من جانبه الأيمن.
كان الرجل أسمر البشرة، ذا شارب كثّ مصبوغ بلون أسود فاحم، يتناغم مع شعره المدهون بعناية.. وجهه حليق بدقّة، وقد حفرت فيه السنين خطوطًا من صمتٍ وهيبة، لم تخلُ من قسوةٍ دفينة تسكن عينيه.
توقّف للحظة.
نظر إلى واجهة البيت الصامتة.. ثم، دون أن ينطق بكلمة، تحرّك الفتى الذي خرج في الليلة الماضية مسرعًا نحو الباب، وفتحه له من دون أن يتبادل معه نظرة.

دخل الرجل بخطى ثابتة.. لم يلتفت، ولم يُلقِ التحية.
بدا كما لو أن المكان يعرفه.. أو أنه يعرفه أكثر مما يعرف نفسه.

في الداخل، ظهرت المرأة وهي ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، مسدلة على كتفيها، مفتوحة بطريقة تكشف عن ثوب منزلي قصير بالكاد يصل إلى ما فوق ركبتيها.
كان مكياجها صارخًا، بألوان لا تليق بعمرها، لكنها بدت واثقة.. أكثر من اللازم.
فتحت ذراعيها، وقالت بصوت مفعم بمبالغة مدروسة:

– هلا بالغالي.. هلا بتاج راسي و سندي.

أجابها بابتسامة قصيرة، لم تمسّ ملامحه:
– أهلًا، أم طارق.. إن شاء الله ارتاحيتي هسّه؟
البيت مبين نظيف، ما ناقصه غير شوية أثاث.

اقتربت منه، وضغطت على يده بخفّةٍ أنثوية فيها ما يكفي من الرسائل الخفية:

– البيت يمتلي بالسعادة بوجودك عيوني.

انفرجت شفتاه فيما يشبه ابتسامة، لكن عينيه بقيتا متجمّدتين.
ألقى نظرة سريعة حول المدخل..
وفي تلك اللحظة، انغلق الباب خلفه بصوتٍ ثقيل، فيما دخل الفتى إلى البيت مسرعًا..

في الداخل، خيّم صمتٌ ثقيل، كأن الجدران نفسها كانت تحبس أنفاسها.
قُطع هذا الصمت بصوت أم طارق تنادي من أعلى الدرج:

– طارق، طروقي ماما.. انزل، سوي چاي لعمّك..
لم يُسمع ردّ، لكن بعد لحظات، بدأ صوت غليان ماء يعلو من المطبخ.

جلس الرجل في صالة شبه خالية، لا شيء فيها سوى سجادة باهتة، ومروحة أرضية تدور بهدوء.
على الجدار، عُلّقت صورة للرئيس بملابسه العسكرية وشماغه الأحمر، وأخرى لمنظر طبيعي شتوي تآكلت ألوانه بفعل الوقت، لكنها ظلّت شاهدة على شيءٍ لم يُقل.

أخرج من جيب سترته علبة سجائر روثمان، أشعل واحدة، ونفث دخانها نحو السقف.
تناولتها منه أم طارق، فأخرج ثانية وأشعلها، ثم قال بنبرة خافتة:

– لازم نرتّب الأمور من جديد.. الوضع العام بالبلاد بعد احتلال الفاو مو مثل قبل.. الرقابة بكل مكان.
بس إذا مشت الخطة، نرجّع كلشي.. حتى الاسم.

رفعت أم طارق حاجبها الأيمن، و غمغمت بنبرة لا تخلو من التحدّي:

– عيني، إنت تعرفني.. ما أتحرك خطوة إذا ما كان كلشي محسوب.
بس الولد؟ كبر، وصار يشك بكل شي.. صار حساس.

هزّ رأسه ببطء، وعيناه تراقبان حركة المروحة:

– لازم يتعلّم.. إذا يريد يعيش.
مو يبقه لا دراسة ولا شغل..

في الخارج، كان أحد صبية الحيّ يتسلّق برميل قديم، محاولًا التسلل بنظره من نافذة الصالة.
لمح ظلّين يتحركان خلف الستارة، ثم تجمّد في مكانه حين دوّى من الداخل صوتٌ حاد، لا يُدرى أكان صراخًا أم بكاءً مقموعًا.
أفلت الطفل من البرميل، وقفز منه كأنما لمس نارًا.

وفي المساء، تكرّر المشهد:
موسيقى قديمة، وضحكات مجهولة المصدر، وستائر لا تتحرّك.

لكن الحيّ لم يعد كما كان.
بدأ يهمس، لا عن “المرأة ذات النفنوف الأحمر” فقط، بل عن الرجل صاحب البدلة الزيتونية، الذي تكررت زياراته..
ولم يعرفوا السر الذي أحاط بهذا البيت.

———————————

نفنوف أحمر
الجزء الرابع

لم تكن ساهرة فتحي، الملقّبة لاحقًا بـ”أم طارق”، امرأةً عادية.

وُلدت في الكرخ، في “محلة الذهب” القريبة من منطقة علاوي الحلة، لأسرة بسيطة، والدها موظف بدائرة البريد، من أصل تركماني، وأمها ربة بيت من أصول بغدادية عريقة.
ومنذ صباها، كانت ساهرة نافرة من العيش التقليدي، متمرّدة على حدود المحلة الضيّقة، تحلم بالخروج من الأزقة المتهالكة إلى العالم الرحب الذي رأته في المجلات الملوّنة، وفي الأفلام التي كانت تعرضها سينما بغداد القريبة من دارهم.

ورغم عدم موافقة والديها، تزوّجت من رجلٍ يكبرها بعشرين عامًا، ظنّت أنه سيوفّر لها حياة سعيدة ويُخرجها إلى العالم الذي تحلم به، لكنّ ظنّها خاب حين اكتشفت أنه بخيل جدًا، يحسب عليها الفلس، ويخنق أحلامها بحساباته الدقيقة.
وافق على طلاقها بعد سبع سنواتٍ ذاقت فيها العذاب والمرارة بشرط أن تتنازل عن مهرها المؤخر، وحمدت الله أنها لم تُنجب منه.
مكثت بعدها أربع سنوات دون زواج، إلى أن التقت بعلي رستم، الشاب الكردي الفيلي الهادئ، ووقعت معه في مغامرة حبٍّ دامت عامًا.
أحبّته بطريقتها، بعنفوانِ امرأةٍ تشعر أن سنواتها ضاعت في زواجٍ فاشل، وأن عليها أن تستعيد ما فاتها.
كانا متقاربين في العمر، لكنّ مشكلة علي كانت في بساطته…
فهو رجلٌ عاديّ، في زمنٍ لا يرحم العاديين.

لم تمضِ سنة على زواجها، حتى اندلعت حملة التسفيرات عام 1970.

لم تُكلّف الدولة نفسها عناء البحث عن أسماء أو عناوين، كل البيانات محفوظة بعناية في أدراج مديرية شؤون الجنسية: أضابير، صور، تواريخ، وشهادات الولادة.. وكل ما يلزم للإقصاء.

كان اسم “علي رستم” من بين تلك الأسماء.

في تلك الليلة المشؤومة، حين داهم الملازم أول خالد الزوبعي ومجموعته بيتهم في أحد أزقّة منطقة الكفاح، كانت ساهرة حامل في شهرها السادس.

صرخت، توسّلت، لكنّ العالم بدا وكأنه يدور خارج إرادتها.. كان صوت الأقدام أعلى من صوتها، ورائحة الهلع والخوف أثقل من أنفاسها.

لكن في عيني خالد الزوبعي، وقع شيءٌ لم يكن محسوبًا.

رآها لا كامرأة كردية ضمن قوائم الترحيل، بل كأنثى تشتعل جمالًا وانوثة وسط الركام.

كان يعلم، يقينًا، أنها ليست من التبعية الإيرانية، وأنها، من الناحية القانونية، لا تُرحّل.

في غرفة التحقيق، وحين انفرد بعلي رستم، راوده شيطان السلطة.. جلس إلى جانبه يفاوض.. لا يحقق.
قال له بلهجة المصطنع للشفقة:

– الطريق للحدود طويل. زوجتك حامل، والنساء يمتنَ بالطريق.. خلّيها تبقى، تولد، وترتاح.. وبعدين، الله كريم.

ثم أضاف بطريقة تبدو انسانية، ولكن لا تخفى حقيقتها؛

– ادفع ٣٠٠ دينار، وأنا أتكفّل بكل شيء.. أأجرلها بيت، وأهتم بيها، وبعدها انته ترجع إن شاء الله وتاخذها.

صدَّق علي رستم.. أو ربما أنهار تحت الضغط.. عمله صبّاغ سيارات بالكاد يدّخر شيئًا.. طلب أن يلتقي بزوجته ليخبرها مكان الفلوس التي يدخرها..

بموافقة ملازم أول خالد، اجتمع الزوجان لآخر مرة بحضوره.. قال لها علي، وهو يرمقها بعينين مطفأتين:

– الفلوس بالمحل، ورا الرف اللي عليه الراديو..

وفي صباحٍ رمادي، رُحّل.. ولم يُرَ بعده أبدًا.

ساهرة بقيت.
لكنها لم تعد ساهرة التي كانت.

استأجر لها خالد مشتملًا صغيرًا في حي جميلة، وأبقى أمرها سرًا.
وبعد ثلاثة أشهر، وضعت مولودها.. سمّته “طارق”، كأنها تريد بهذا الاسم أن تبعد أية صلة له بأصل والده الحقيقي، ليس كرهًا بل خوفًا عليه من أن تسميه “حسين” مثلما اتفقت مع أبيه!

بدأ خالد يتردّد عليها، أولًا ليطمئن، ثم ليستحوذ.. أقنعها بأنه لا يستطيع الزواج منها علنًا بسبب عمله كضابط، وأنه سيبقي العلاقة سرّية.

تردّدت، تململت، ثم رضخت.

لم تكن علاقتها به علاقة عابرة، بل كانت مزيجًا مشوّشًا من التسلّط، والرغبة، والهيمنة.

لم يحبّها كما تُحبّ النساء، بل احتفظ بها كما يُحتفظ بسرّ خطير، لا يصلح للنسيان ولا للاعتراف.

طوال ستة عشر عامًا، ظلّ ينفق عليها، يزورها حين يشاء، ويمسك بخيوط حياتها من خلف الستار.

وحين طلبت منه تسجيل طارق باسمه، رفض.

قال لها:
– ما أقدر أضيفه على إسمي، بس راح اخليه بقيد نفوس واحد من جماعتي.. أني أتصرف.

وبرّر ذلك بأن قيد زوجها علي رستم “مرقّن” رسميًا في سجل النفوس، ولم يعد يصلح لأي إضافة.

**

في عام 1984، أُحيل خالد الزوبعي على التقاعد بناءً على طلبه، وتفرغ للعمل الحزبي، بدرجة “عضو شعبة” في حزب البعث – وهي مرتبة حزبية تمنح له صلاحيات أوسع من كثير من الرتب العسكرية.

وفي عام 1986، اشترى هذا البيت لساهرة، وكتب ملكيته باسمها.. حصل عليه بثمنٍ بخس، بعد أن التقط خيوط فضيحة طالت أصحابه السابقين.

**
دخل الغرفة كما اعتاد، لكنه كان يحمل في داخله تصدّعًا لا يُرى.

جلست ساهرة أمامه بصمت.. كانت أقل صخبًا مما اعتادها.. ربما العمر، أو التعب، أو الذكريات التي تطفو دون إذن.

قالت بهدوء:
– بعدك تتذكّر أول يوم شفتني بي؟ بعگد الأكراد بالكفاح؟

ردّ ببرودٍ متصنّع:
– أي أتذكّر.. ذبحتيني ذبح من شفت عيونچ.

ضحكت ضحكة قصيرة، ثم شردت بعينيها نحو النافذة.. وبعد لحظة، قالت:
– تعرف؟ يمكن أكثر شي ندمت عليه مو طلاقي من علي، ولا آني عايشة بهاي الطريقة.. ندمانة بس على الولد.

سكتت، ثم تابعت:
– چان يستاهل يعرف أبوه الحقيقي.. بس ضليت ساكته وخايفة منك.

هزّ خالد رأسه ببطء، وقال:
– لو گلتيله، چان تعقّد..
أو صار عدوّي.

نظرت إليه طويلاً، وهمست:
– هو صار عدوّك.. حتى من دون ما يعرفك.. ما فد يوم حسّيت بي يحبك.
– ولا آني..

**
في المساء، صعد طارق إلى السطح، أشعل سيجارته الأولى بخفة، وحدّق في الزقاق الطويل المظلم.
يشعر أن ثمة شيئًا غريبًا يسكن هذا البيت.
كأن الجدران تخفي كذبة، وأن حياته كلها كُتبت بخط رجل واحد اسمه:
خالد الزوبعي.

⸻————————

نفنوف أحمر
الجزء الخامس

كان طارق قد بلغ السادسة عشرة، لكن ملامحه لم تكن تشبه أحدًا في الزقاق.

بشرته السمراء الحنونة، عيناه الواسعتان الحزينتان، أنفه المحدد، وشعره الكثّ، كلّها لم تكن موروثة من امرأة تركمانية تصبغ شعرها كل شهر، وتضع الكحل حتى في عزّ الظهر، ولا من رجل يصل في سيارة بموكب صامت ويرتدي بدلة زيتونية.

في ليلة من ليالي حزيران اللاهبة، جلس على سطح المنزل، يعبث بعلبة سجائر نصف فارغة وجدها في جيب قميص والدته، سمَعَ ضحكة مكتومة تصعد من الطابق الأرضي، ضحكة يعرفها جيدًا.
ضحكة أمّه حين يأتي “العمّ خالد”.

لكنه لم يكن يراه “عمًّا”.

كان يتصرف كصاحب البيت، يقرّر، يأمر، يختلي بأمّه طويلاً، ويغادر دون أن يكلّفه حتى السلام على طارق.

وفي مساءٍ آخر، بعد مغادرة خالد الزوبعي، جلس طارق قبالة أمّه، كانت تضع طلاء أظافرها بلون قرمزي فاقع، فسألها بنبرة لا تعرف الخجل:

– يمّه.. هذا خالد، شنو قرابتنا ويّاه بالضبط؟

توقّفت يدها عن الحركة. رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين غامضتين، فيها بقايا غضب، وضعف، وشيء يشبه الندم.

– ليش تسأل؟

– لأن من چنت صغير، چنت أظنه خالي.. بعدين چنت أظنه زوجچ.. وهسه ما أعرف شنو يكون.

أطفأت السيجارة في صحن صغير، ونهضت.

سارت نحو النافذة، ثم قالت بصوت خافت كالحجر حين يسقط في بئر:

– هذا الرجل.. هو اللي خلاني أبقى بالعراق، ما أتسفّر ويا أبوك.

تجمّد طارق في مكانه.

– أبوك الحقيقي اسمه علي رستم، كردي، شريف، يحبني.. چنت حامل بيك، ولما صار التسفير، أجا خالد الزوبعي للبيت، چان ضابط بالأمن، هو اللي حقق ويا أبوك.. واتفق وياه.

استدار طارق ببطء، قلبه ينبض بقوة.
– اتفق وياه على شنو؟

ضحكت ساهرة، ضحكة منكسرة:
– على حياتي.. على حياتك، قال له: خليها تبقى، وإنت تروح، اذا يروحون وياك يمكن يموتون بالطريق، وهي حامل.. أخذ منّه ٣٠٠ دينار، وقال له:
راح أأجرلها بيت، أوفر لها مصاريف الولادة، وبس تولد، نرجّعها إلك..

سكتت.

– ما رجّعني، ولا ناوي يرجّعني.. لأن أبوك ما بي رجعة.. تسفّر، واختفى.

دخل خالد حياتي، مو كرجل، كقدر الله قدره عليّ.. ما عندي أهل، ولا سند.. خفت.. قبلت. وعشت ستة عشر سنة مثل التايهة.. لا متزوجة، لا أرملة، لا مطلّقة.

سكت طارق. لم يعرف ماذا يقول.
تابعت:

– بس، أقولها لله.. هو اللي أنقذني.. سجّلك باسم واحد من جماعته، وطلعلك جنسية.. هو اللي اشترى هذا البيت وسجله بأسمي.. هو اللي خلّى اسمك ما ينفضح بالدوائر. بس..
وهو نفسه اللي خلاني مو إنسانه.

اقترب طارق منها.. كانت لحظة مكاشفة حقيقية تحدث لأول مرة.

رأى كل الأقنعة تتساقط.

– يمّه.. أبويه، وين راح؟

أجابت، والدمعة تتسلل رغماً عنها:

– تسفّر لإيران، هو وكل أقربائه.. ما رجع. سمعت إنه مات.

ثم، بنظرة مسكونة بالماضي:
– تدري.. أنته تشبهه، نفس شعره ، نفس عيونه، سماره وضحكته، وحتى من تزعل نفس زعلته.

**
في صباح اليوم التالي، اختفى طارق.

قضى نهاره في شارع المتنبي، يبحث بين الصحف القديمة عن اسم “علي رستم”، عن قائمة المسفّرين في 1970.

كان قلبه مليئًا بأسئلة لا نهاية لها.

هل لا يزال والده حيًا؟
هل خالد الزوبعي كان مجرد ضابط؟
أم جلادًا؟
أم.. أبًا بديلًا اشترى حياته بثمنٍ أخجل أن أصرح به؟

**

مساءً، رأى السيارة البيضاء مجددًا.

دخل خالد البيت.

لكن هذه المرة، طارق هو من فتح الباب.

وقفا وجهًا لوجه.

الولد والرجل.
الدم والظل.

ولأول مرة، قالها طارق، بصوت ساكن:
– عندي أسئلة.. ولازم تجاوبني.

الابتسامة التي ارتسمت على وجه خالد لم تكن كما يعرفها.
كانت ابتسامة حدّ السكين.
باردة، وصريحة.

– وأخيرًا.. كبرت وصار عندك أسئلة؟
تفضل، عمو، شنو أسئلتك؟

—————————
مشروع رواية لا أعرف متى اكملها، وانتهي من كتابتها..