جديد

الوطنية بسقف طائفي لماذا تُقيَّد شيعة العراق وحدهم؟

لماذا الشيعي وحده يوصف بالذيل دون بقية المكونات؟

ضياء ابو معارج الدراجي

في العراق، لا تُقاس الوطنية بمعيار واحد، بل تُفصَّل حسب الهوية. تُشدَّد وتُغلَّظ على شيعة العراق حتى تتحول إلى قيدٍ وعصا، بينما تُرخَّص وتُمنح بلا حساب لغيرهم. والنتيجة معادلة مختلّة: ما يُعدّ “تبعية وذيلية” عندما يصدر عن الشيعة، يُحتفى به “بطولة قومية” عندما يصدر عن السُّنة أو الأكراد.

يُطالَب شيعة العراق، ليل نهار، بأن يكونوا “عراقيين فقط”، وأن يتخلّوا عن أي تعاطف أو تضامن مع شيعة إيران أو لبنان أو اليمن. يُشهَّر بهم فورًا: أتباع، أذيال، مرتهنون للخارج. في المقابل، عندما يساند السُّني قضايا السُّنة خارج الحدود يُقال عنه “صاحب نخوة”، وعندما يدعم الكردي قوميته في دول الجوار يُمنح وسام “الوعي القومي”. هكذا، وبلا خجل، تُكسر القاعدة ذاتها بحسب اسم الفاعل.

هذه ليست دعوة لوطنية جامعة، بل مصادرة انتقائية للهوية. ليست دفاعًا عن السيادة، بل توظيفًا انتقاميًا لمفهومها. فالسيادة التي تُستدعى فقط لتكميم فم طرف واحد، ليست سيادة؛ إنها أداة إقصاء.

الأكثر فجاجة أن الذين يرفعون سوط “الوطنية” بوجه الشيعة هم أنفسهم من مارسوا – ويمارسون – تضامنًا عابرًا للحدود دون أن يرفّ لهم جفن. تحالفات، دعم إعلامي، خطاب تعبوي، وحتى تماهي سياسي مع ما يجري خارج العراق. كل ذلك مُباح ومُشرعن… ما دام ليس شيعيًا.

شيعة العراق لم يطالبوا يومًا بمنع الآخرين من دعم امتداداتهم المذهبية أو القومية. لم يحرّموا على السُّني أن يتعاطف مع سُنّة المنطقة، ولا على الكردي أن يرى في قوميته قضية واحدة تتجاوز الخرائط. لكنهم، في المقابل، يُطالَبون وحدهم بأن يتخلّوا عن أي عمقٍ عقدي أو وجداني، وكأن المطلوب منهم هو “الوطنية منزوعة الذاكرة”.

ثم تأتي التهمة الجاهزة: “ذيول الخارج”. تهمة تُرمى بلا دليل، وتُستخدم كبديل رخيص عن النقاش. تُنسى حقائق التاريخ القريب: من دافع عن العراق حين انهارت الدولة؟ من قدّم الدم والفتوى والسلاح حين تراجع الجميع؟ من حرّر الأرض حتى آخر شبر؟ هؤلاء أنفسهم يُطالَبون اليوم بالصمت، وبالتبرؤ من أي رابط معنوي مع من يشتركون معهم في العقيدة والمظلومية.

الوطنية ليست حجرًا يُرمى على رأس الشيعة وحدهم. وليست سكينًا تُشهر عند الحاجة وتُخفى عند الآخرين. الوطنية، إن كانت صادقة، تُطبَّق على الجميع أو لا تُطبَّق. وما عدا ذلك فهو نفاق سياسي مفضوح.

ليس حرامًا على شيعة العراق أن يتعاطفوا مع شيعة العالم، كما ليس حرامًا على غيرهم أن يدعموا امتداداتهم. الحرام الحقيقي هو الكيل بمكيالين، وتجريم هويةٍ بعينها، واحتكار تعريف “العراقي” وفق مزاج سياسي وطائفي.

ومن يطالب الشيعة وحدهم بالتخلي عن عمقهم، فليكن صريحًا هو لا يدافع عن وطن… ام يخوض صراع هوية.

ضياء ابو معارج الدراجي