وقوع ساسة المكوّن السني في فخ الوهم الكبير بعد ان ظنوا أن ما يجري في سوريا يمكن أن يغيّر المعادلة ذاتها في العراق.
ضياء ابو معارج الدراجي
ما إن يسمع السياسي أو المواطن السني العراقي بوجود تحرك سني أو ما يُصوَّر على أنه انتصار سني في دولة مجاورة، ولا سيما في سوريا، حتى ينقلب على عقبيه، وينسى أو يتناسى أنه يعيش في العراق لا في دمشق ولا في إدلب. فجأة يتحول المشهد إلى تهليل، وشحن عاطفي، ودعوات صريحة لتكرار “التجربة” داخل العراق، أو إلى الضفة الأخرى الأكثر خطورة وهي الهجوم المباشر على كل ما هو شيعي، ومحاولة التدخل الوقح في القرارات الشيعية التي أنتجتها تفاوضات داخل البيت الشيعي وبآليات دستورية وسياسية معروفة.
هذا السلوك ليس جديدًا، لكنه يعود إلى الواجهة كلما توهّم البعض أن تغيّرًا إقليميًا عابرًا يمكن أن يُسقط توازنات داخلية راسخة. فاليوم، ورغم أن المعارك بين قسد والجولاني لم تُحسم بعد، ولا تزال تدور أساسًا حول مصادر الطاقة والنفوذ في الجغرافيا السورية، نرى في العراق من أخرج رأسه مجددًا ليعيد إنتاج الخطاب المتطرف نفسه ضد المكوّن الأكبر، وكأن دروس السنوات الماضية لم تكن كافية، وكأن الذاكرة انتقائية لا تستحضر إلا ما يخدم الوهم الآني.
هؤلاء ينسون أو يتجاهلون عمدًا أن هذا المكوّن الذي يستهدفونه بالخطاب والتحريض، هو ذاته الذي يمتلك من القدرات القتالية والعسكرية والعقائدية ما لم تستطع الولايات المتحدة نفسها، ولا داعش في ذروة قوتها وداخل حاضنتها السنية، أن تكسره أو تتجاوزه. هو المكوّن الذي لبّى فتوى الجهاد، وحرّر الأرض العراقية شبرًا شبرًا، حتى آخر نقطة على الحدود، ودفع الدم والرجال والسنين ليبقى العراق قائمًا، لا ساحة سائبة لمشاريع الآخرين.
ومع تزامن الاتفاق داخل الإطار الشيعي على تولي السيد نوري المالكي رئاسة الوزراء، مع تحركات قوات الجولاني في مناطق سيطرة قسد، وقع بعض ساسة المكوّن السني في فخ الوهم الكبير. ظنوا أن ما يجري في سوريا يمكن أن يغيّر المعادلة ذاتها في العراق، فاندفعوا إلى تغريدات وتصريحات مكشوفة، لا تعبّر عن موقف سياسي بقدر ما تكشف نيات سيئة ورغبات دفينة في الانقضاض على خيار شيعي خالص، اتُّخذ داخل بيته وبمنطق توازناته.
هؤلاء، على ما يبدو، لا يعلمون أو لا يريدون أن يعلموا أن الأغلبية الشيعية لا تزال تمتلك أوراقًا دستورية وسياسية قادرة على قلب الطاولة متى ما شاءت، وأن إدارة مجلس النواب نفسه ليست خارج هذا السياق، وأن منصب النائب الأول، وسحب الثقة من رئيس البرلمان لأسباب عديدة ومعلومة، ليست سيناريوهات خيالية بل خيارات واقعية متاحة إذا فُرض الصدام السياسي.
ومن هنا، فإن النصيحة الواضحة والصريحة لهؤلاء هي لا تتدخلوا في اختيارات الإطار الشيعي، ولا تنساقوا خلف انتصارات مؤقتة في الجغرافيا السورية، لأنها انتصارات عابرة، محكومة بتوازنات دولية وإقليمية معقدة، ولن تدوم. والأهم أنها لا تمتلك أي تأثير حقيقي على عزم وقوة الحشد الشعبي، ولا على عقيدة الفتوى الجهادية التي لم تتوقف فاعليتها يومًا، حتى وإن تغيّر شكل المواجهة وأدواتها.
أما الرهان على المتغير الأميركي، أو على شخصية مثل دونالد ترامب، فهو رهان أكثر سذاجة من سابقاته. ترامب نفسه قرر عدم التدخل لإيقاف أي حرب قادمة في العالم، بدافع نرجسي صرف بعد حرمانه من جائزة نوبل للسلام، ومع ذلك فإن زمنه السياسي إلى أفول. وخلال عامين فقط، سيكون المشهد الدولي مختلفًا جذريًا بعد خروجه من موقع القيادة والتحكم، وسيسقط معه كثير من الأوهام التي بُنيت على شخصه ومزاجه.
العراق ليس سوريا، والشيعة ليسوا الحلقة الأضعف، والقرار الشيعي ليس ساحة مستباحة لمن يظن أن ضجيج تويتر أو دخان معركة خارج الحدود يمكن أن يغيّر حقائق الداخل. من لم يتعلّم من الماضي القريب، سيصطدم مرة أخرى بجدار الواقع، ولكن هذه المرة بلا أعذار.
ضياء ابو معارج الدراجي