خالد الغريباوي
في لحظة إقليمية تتسم بالسيولة والتحولات الكبرى، يبدو أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيد إحياء واحدة من أقدم العقائد الاستراتيجية في الفكر السياسي الإسرائيلي، وهي عقيدة “الأطراف” التي أسسها ديفيد بن غوريون، ولكن بصيغة أكثر تعقيداً وامتداداً، أقرب إلى مفهوم “الماندالا” في الفكر الجيوسياسي، حيث تُبنى الأحزمة والتحالفات على شكل دوائر متداخلة تُطوّق الخصم وتستنزفه من الخارج قبل مواجهته في المركز.
عقيدة بن غوريون التاريخية قامت على التحالف مع قوى غير عربية وغير إسلامية في محيط العالم العربي، مثل تركيا وإيران الشاه وإثيوبيا، بهدف تطويق العمق العربي آنذاك. اليوم، ومع تبدل الخريطة وتغير الفاعلين، يسعى نتنياهو وفق هذا التصور إلى إعادة إنتاج الفكرة ولكن ضمن سياق جديد، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على “الدائرة العربية”، بل أصبح يتمثل بمحورين إسلاميين متوازيين: محور شيعي تقوده إيران ويمتد عبر العراق ولبنان واليمن، ومحور سني يتشكل حديثا من تركيا والسعودية وقطر والأردن وسوريا في نسخته الجديدة، مع امتدادات سياسية واقتصادية متداخلة.
في هذا السياق، يمكن قراءة ما يُوصف بـ“التحالف السداسي” كمنظومة تطويق متعددة الاتجاهات، لا تستهدف محوراً واحداً بل تعمل على خلق طوق جيوسياسي يحيط بالكتلة الإسلامية بشقيها، فمن الشرق يظهر التقارب الإسرائيلي–الهندي كجزء من مواجهة النفوذ الباكستاني والإيراني في جنوب آسيا، فالهند تمثل ثقلاً استراتيجياً قادراً على موازنة أي امتداد إسلامي سياسي في تلك المنطقة. ومن الشمال، يبرز الحضور الأذربيجاني كحلقة ضغط على إيران من خاصرتها الحساسة، خاصة في ظل التعقيدات العرقية والجغرافية في شمال غرب إيران،، ومن الغرب تتعزز الشراكة مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط، في مواجهة الطموح التركي البحري والغازي وهو صراع يتجاوز الطاقة إلى إعادة رسم خرائط النفوذ البحري.
أما في الجنوب، فتعود إثيوبيا إلى المشهد كركيزة في معادلة الضغط على مصر في ملف مياه النيل، بما يعيد تشكيل توازنات القوة في القرن الأفريقي، في حين يشكل الحضور في جنوب السودان وبعض أقاليم القرن الأفريقي نقطة ارتكاز لمراقبة البحر الأحمر وباب المندب، أي الخاصرة الجنوبية لكل من اليمن والسعودية، وبالتالي لأي محور إقليمي ذي امتداد إسلامي، وبهذا المعنى فإن الدائرة لا تُغلق حول دولة بعينها، بل حول فضاء جيوسياسي كامل يمتد من المتوسط إلى المحيط الهندي.
المقاربة هنا ليست عسكرية صرفة، بل مركبة، تجمع بين الأمني والاقتصادي والطاقة والتكنولوجيا والتحالفات الاستخبارية وهي محاولة لبناء شبكة علاقات تمتد أفقياً حول الخصوم المحتملين، بحيث يتم تفكيك أي محور إقليمي قبل أن يتحول إلى كتلة صلبة قادرة على فرض معادلة ردع حقيقية ، وضمن هذه الرؤية، فإن ضعف بعض مكونات المحور الشيعي لا يعني نهايته، بل ربما يشجع على تسريع عملية التطويق قبل أن يعيد ترتيب صفوفه، في حين أن تشكل محور سني جديد بملامح تركية–خليجية يفرض على تل أبيب البحث عن توازنات تمنع أي اصطفاف إسلامي عابر للمذاهب.
فكرة “الماندالا” هنا تتجسد في تعدد الدوائر: دائرة شرق المتوسط، دائرة القوقاز، دائرة جنوب آسيا، دائرة القرن الأفريقي، ودائرة البحر الأحمر. كل دائرة تمثل عقدة في شبكة تطويق أوسع، بحيث يبدو المشهد على الخريطة وكأن هناك طوقاً يلتف حول كتلة جغرافية تمتد من إيران إلى تركيا مروراً بالعالم العربي، ليست المسألة تحالفاً واحداً متماسكاً بقدر ما هي تقاطعات مصالح تُدار ببراغماتية عالية، هدفها منع تشكل مركز إقليمي منافس.
إن قراءة هذا المشهد لا تقتصر على توصيف تحركات دبلوماسية، بل تتعلق بإعادة هندسة البيئة الاستراتيجية للمنطقة. فحين تُعاد صياغة التحالفات وفق منطق الأطراف والدوائر، تصبح المعركة الحقيقية معركة خرائط ونفوذ طويل الأمد، لا مجرد صراع عسكري مباشر. وهنا تكمن خطورة المشروع، إذ إنه يعمل في المساحات الرمادية بين الاقتصاد والأمن والطاقة والمياه، ويستثمر في التناقضات البينية داخل العالم الإسلامي نفسه.
في المحصلة، ما يُطرح كتحالف سداسي ليس مجرد تنسيق عابر، بل محاولة لإحياء عقيدة تاريخية بثوب جديد، عنوانها تطويق المركز عبر الأطراف، ومنع أي محور إقليمي – شيعي كان أم سنياً – من التحول إلى قوة مهيمنة، إنها عودة لسياسة “المحيط” ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين، حيث تصبح الجغرافيا شبكة، والتحالفات دوائر، والصراع معركة استباق على شكل الخريطة قبل أن يكون على أرض الميدان.