عواقب إستراتيجية للترويج لللسردية الإيرانية في الإعلام الحكومي العراقي ؟ هيئة الإعلام والاتصالات تلعب بالنار؟

منظمة عراقيون ضد الفساد

تتابع المنظمة عن كثب ومباشر للأحداث الملتهبة في الشرق الأوسط، نتابع التطورات لحظة بلحظة دون أي تردد أو شك في طبيعة ما يجري. ما يثير الاستغراب الحقيقي — بل والحذر الشديد — ليس ترويج السردية الإيرانية من قبل القنوات والإذاعات والصحف التابعة للفصائل الولائية المسلحة ، فهذا أمر متوقع ومألوف منذ سنوات طويلة . تلك الوسائل تعمل بالتنسيق المباشر والمسبق مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسلامية الإيرانية، وتتبنى الرواية الرسمية كجزء من هويتها وتبعيتها الدينية والسياسية والعقائدية .الأمر الذي يستحق التوقف عنده طويلاً هو الدور الذي تلعبه هيئة الإعلام والاتصالات العراقية — وهي جهة حكومية رسمية تابعة لمجلس الوزراء وليست تابعة لأي فصيل مسلح أو حزب سياسي — وحسب ما فاد لنا به مسؤول مطلع خلال الساعات الماضية فقد تبين بتوضيحه :” في إصدار تعليمات عاجلة ومباشرة شفهية إلى جميع القنوات والمنصات الإعلامية الرسمية الحكومية تطالبها بتبني وترويج السردية الإيرانية نفسها ” ونحن نعتقد في المنظمة بانه تجاوز في ذلك مبادئ الحيادية الإعلامية، المهنية، والتوازن الذي يُفترض أن تكون هذه الهيئة أول من يحميه. لان هذا التدخل الحكومي المباشر يتجاوز مجرد “توحيد الخطاب الأمني” أو “الحفاظ على الاستقرار الداخلي” — كما يُبرَّر أحياناً — إلى انحياز سياسي واضح وصريح يرسل رسالة لا لبس فيها إلى واشنطن وباقي العواصم الغربية: «الحكومة العراقية — حتى في أوج التصعيد الإقليمي والضغط الأمريكي المتزايد — لا تزال ملتزمة بمواءمة سرديتها الرسمية مع الرواية الإيرانية، وتُوجّه أجهزتها الإعلامية الحكومية لتعزيزها». هذه الرسالة، في السياق الحالي، ليست مجرد تفصيل إعلامي؛ إنها دليل سياسي قاطع يمكن أن يُقرأ كتأكيد على استمرار الولاء الاستراتيجي لبغداد تجاه طهران، حتى في لحظة يُنظر فيها إلى أي انحياز كهذا كعائق أساسي أمام أي تقارب حقيقي مع الولايات المتحدة أو تخفيف العقوبات أو تعزيز الشراكة الاستراتيجية. السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح :هل كان رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على علم مسبق بهذه التعليمات وأقرها أو سكت عنها؟ أم أنها صدرت من داخل الهيئة تحت ضغط أطراف معينة داخل الإطار التنسيقي أو الفصائل ـــ المعروف بان هيئة الإعلام ولاتصالات من حصة تيار الحكمة حسب التقسيمات الطائفية ونظام المحاصصة وليس على أساس الكفاءة والنزاهة والحيادية ـــ دون موافقة صريحة من القيادة العليا للحكومة؟الإجابة ليست بروتوكولية أو شكلية، فالعواقب وخيمة جداً على عدة مستويات:

  1. على المستوى الأمريكي: في ظل الضغط المتزايد من واشنطن لفك الارتباط بالفصائل الولائية، وفي ظل تهديدات متكررة بفرض عقوبات واسعة على القطاع المالي والنفطي العراقي إذا استمرت “السيطرة الإيرانية”، فإن مثل هذا الانحياز الإعلامي الحكومي يُعتبر دليلاً دامغاً على عدم جدية بغداد في تغيير المسار. قد يُسرّع ذلك من قرارات أمريكية أكثر حدة، سواء في مجال العقوبات أو دعم نزع السلاح أو إعادة النظر في حجم الوجود العسكري والمساعدات.
  2. على المستوى الداخلي: يُضعف هذا التوجيه مصداقية الحكومة كجهة محايدة ووطنية، ويعزز شعوراً لدى شرائح واسعة من العراقيين (خاصة خارج الإطار الشيعي) بأن الدولة لا تزال “مأسورة” لإرادة خارجية، مما يعمق الانقسامات السياسية والطائفية.
  3. على المستوى الإقليمي: يُعطي إشارة خاطئة إلى طهران بأن نفوذها الإعلامي والسياسي في بغداد لا يزال قوياً، مما قد يشجع على استمرار الضغط بدل التراجع، في وقت يعاني فيه المحور من ضعف غير مسبوق بعد التصفيات القيادية.

في النهاية، هناك خياران لا ثالث لهما:

  • إما أن يكون هذا خطأً إدارياً-إعلامياً جسيمًا يتطلب تصحيحاً فورياً وعلنياً من رئاسة الوزراء أو الهيئة نفسها، مع إعادة التأكيد على الحيادية كمبدأ غير قابل للمساومة.
  • أو أنه قرار سياسي مدروس يعكس توازنات داخلية معقدة داخل الإطار التنسيقي، وفي هذه الحالة فإن العواقب الاستراتيجية ستكون أكبر بكثير مما يتخيله البعض.

وهو يعكس لنا ملاحظة دقيقة ومتكررة ونحن نتابع الإعلام العراقي الرسمي (خاصة شبكة الإعلام العراقي وقناة العراقية الإخبارية) في هذه الفترة الحساسة.من خلال المتابعة الفعلية للتغطية خلال الأيام الأخيرة (مارس 2026)، يظهر بوضوح أن:

  • الإطار العام للتغطية يركز بشكل كبير على:وصف الضربات الأمريكية-الإسرائيلية بـ”العدوان” أو “الاعتداء غير المبرر”. نقل تصريحات إيرانية رسمية (من حرس الثورة، أمين مجلس الأمن القومي، أو مسؤولين آخرين) دون تحليل نقدي أو توازن يذكر الرواية المقابلة بشكل بارز.إبراز ردود الفعل الإيرانية كـ”ثأر” أو “حماية للأمن”، مع استخدام مصطلحات مثل “الشهداء” و”القائد” (في إشارة إلى خامنئي) بطريقة تعاطفية. تغطية التظاهرات التضامنية داخل العراق (الناصرية، بغداد، البصرة) مع التركيز على “التنديد بالعدوان” و”التضامن مع الشعب الإيراني”.
  • الحيادية الظاهرية مقابل التوجه الفعلي: لا يوجد (حتى الآن) تغطية متوازنة تبرز حجم الخسائر الإيرانية أو التصريحات الأمريكية/الإسرائيلية بشكل مماثل في الأهمية أو الوقت المخصص. اللغة المستخدمة تميل إلى التعاطف مع الرواية الإيرانية (مثل “استشهاد القائد”، “العدوان الغاشم”، “الرد المشروع”)، وهي نفس المفردات التي تُستخدم في الإعلام الإيراني الرسمي أو التابع للمحور. حتى عند نقل بيانات عراقية رسمية (مثل إدانة الإطار التنسيقي أو تصريحات حكومية تدعو لوقف التصعيد)، تُقدم بطريقة لا تتعارض مع السرد الإيراني، بل تكمله وتروج أليه وتتبناه.

هذا التوجه يجعل المشاهد يشعر فعلاً بأن القناة تبدو “إيرانية أكثر منها عراقية”، كما وصفتَ بدقة. العبارة الشائعة “أين الملك أكثر من الملكين” تنطبق هنا بشكل كبير: الإعلام الحكومي يتجاوز في بعض الأحيان حتى ما يصدر عن طهران نفسها في التعبير عن “التضامن” أو “الإدانة”، ربما لإثبات الولاء أو تجنب اتهامات داخلية بالانحياز للغرب. لماذا يحدث هذا؟

  • التوازنات الداخلية: الإطار التنسيقي (الذي يسيطر على الحكومة الحالية) يحتوي على قوى سياسية وفصائل ترى في إيران “الظهير الاستراتيجي”، والإعلام الحكومي يعكس هذا التوازن أكثر مما يعكس سياسة وطنية محايدة.
  • الضغط السياسي: في أوقات التصعيد، يصبح “الخطاب الوطني” مشروطاً بعدم “الاصطفاف مع العدوان”، مما يدفع نحو تبني سردية أقرب للمحور.
  • غياب رقابة حقيقية: هيئة الإعلام والاتصالات (CMC) أصدرت مؤخراً توجيهات تتعلق بـ”المصادر الأمنية” ومنع التجهيل، لكنها لم تصدر (حتى الآن) أي تعليمات واضحة تفرض حيادية في تغطية الصراع الإيراني-الأمريكي، مما يترك المجال مفتوحاً للتوجهات السياسية السائدة.

في النهاية، هذه الملاحظات كمتابع مهتم تشعر معها بانها انعكاس للواقع السياسي-إعلامي في العراق حالياً. الإعلام الحكومي يعكس – في كثير من الأحيان – توازنات القوى الداخلية أكثر مما يعكس مصلحة وطنية مستقلة تماماً.

الأمر يستحق وقفة طويلة وتدقيقاً عميقاً، لأن الرهان ليس على سردية إخبارية عابرة، بل على مستقبل العلاقة الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة، وعلى مصداقية الحكومة كجهة مستقلة قادرة على اتخاذ قرارات وطنية في لحظة إقليمية حاسمة.