جديد

لاهوت الحرب وصناعة الشيطان

لاهوت الحرب وصناعة الشيطان

كتب رياض الفرطوسي

في لحظات التوتر الكبرى تميل السياسة إلى استعارة لغة السماء. لا تكتفي بالبرامج والخطط والتحالفات، بل تبحث عن شيء أقدم وأشد تأثيراً في الوعي الجمعي، تبحث عن المقدّس. هناك، في تلك المنطقة الغامضة بين الإيمان والسلطة، يولد أخطر أشكال التعبئة.

المشهد الذي ظهر فيه دونالد ترامب جالساً في المكتب البيضاوي، مطأطئ الرأس، بينما يحيط به قساوسة يضعون أيديهم عليه ويصلّون، لم يكن مجرد لحظة دينية عابرة. كان صورة مكثفة لظاهرة سياسية قديمة، ظاهرة تحويل القائد من رئيس منتخب إلى شخصية تبدو وكأنها مختارة بعناية إلهية. في تلك اللحظة لا يعود الرجل مجرد حاكم، بل يصبح رمزاً يلامس منطقة الإيمان.

وهنا يحدث التحول الأخطر.
حين يكتسب القائد هالة روحية، تتحول معارضته من خلاف سياسي إلى شبهة عصيان للمقدّس.

علماء السياسة والاجتماع لاحظوا هذا الميل منذ زمن بعيد. فقد كتب غوستاف لوبون (عالم اجتماع فرنسي درس نفسية الجماهير وتأثير القادة والرموز في توجيهها) في دراسته عن نفسية الجماهير أن الجماهير لا تنجذب إلى الحجج المعقدة، بل إلى الرموز الكبيرة. القائد في نظرها لا يكون موظفاً في الدولة، بل شخصية تحمل شيئاً من صورة النبي أو المخلّص. الجماهير تريد أن تؤمن، والسياسة حين تفهم هذه الحاجة تبدأ في إنتاج الرموز التي تشبعها.

وفي مكان آخر من الفكر السياسي يشرح بندكت أندرسون (مؤرخ وعالم سياسة أيرلندي أميركي اشتهر بدراساته عن القومية، وصاغ مفهوم “الجماعات المتخيَّلة” لشرح كيف تتشكل فكرة الأمة في وعي الناس) فكرة قريبة من ذلك حين يتحدث عن الأمة بوصفها “جماعة متخيَّلة”. الناس لا يعرفون بعضهم بعضاً، لكنهم يتخيلون أنفسهم جزءاً من قصة مشتركة. السياسة الذكية تعرف كيف تغذي هذا الخيال بالرموز والشعارات والطقوس.

لكن حين تدخل الرموز الدينية إلى قلب السياسة يتحول الصراع كله إلى معركة عقائدية.

في تلك اللحظة ينقسم العالم إلى معسكرين واضحين، الخير المطلق والشر المطلق. لم يعد الخصم مجرد دولة أخرى، بل يصبح شيطاناً ينبغي هزيمته. وهنا تظهر المفارقة الكبرى في تاريخ الصراعات الدولية، فكل طرف يحتاج إلى شيطان كي يبرر معركته.

الولايات المتحدة، في لحظات كثيرة من تاريخها الحديث، احتاجت إلى عدو كوني يمنح حروبها معنى أخلاقياً كبيراً. مرة كان الشيوعية، ومرة الإرهاب، ومرة دولة توصف بأنها محور الشر. فالحرب تصبح أكثر قابلية للتسويق حين تبدو كأنها معركة أخلاقية بين النور والظلام.

وفي الجهة الأخرى من الشرق الأوسط تتشكل رواية موازية. في المخيال السياسي الإيراني يمتزج التاريخ بالعقيدة، والسياسة بالانتظار الديني. فكرة المخلّص الغائب تمنح الصراع معنى أكبر من الحسابات الجيوسياسية الباردة. هنا أيضاً يحتاج الخطاب التعبوي إلى خصم شيطاني يبرر الاستعداد الدائم للمعركة.

وهكذا تتقابل السرديتان، كل طرف يرى نفسه في موقع الخير التاريخي، ويرى الآخر تجسيداً للشر.

صموئيل هنتنغتون(عالم سياسة أميركي عُرف بتحليله لصراعات العالم عبر فكرة صدام الحضارات) لاحظ هذا التحول حين تحدث عن صدام الحضارات. لم يكن يقصد أن الصراع حتمي، بل أراد القول إن العالم بعد الحرب الباردة صار يفسّر نزاعاته بلغة الهوية والثقافة والدين، لا بلغة الأيديولوجيا وحدها. وهذا ما يجعل الصراعات أكثر شراسة، لأن الإنسان قد يساوم على المصالح لكنه نادراً ما يساوم على المقدسات.

ومع ذلك يخبرنا التاريخ بشيء آخر تماماً.

كل الحروب التي بدأت بلغة دينية انتهت بلغة بيروقراطية باردة.
كل المعارك التي قُدِّمت بوصفها مواجهة بين الخير والشر انتهت باتفاقيات مكتوبة بعناية قانونية.

في نهاية الطريق لا يظهر المخلّص ولا ينتصر الشيطان. ما يظهر عادة هو وفدان يجلسان في قاعة مفاوضات مضاءة جيداً، أمامهما ملفات سميكة وفناجين قهوة، يتبادلان العبارات الدبلوماسية ويبحثان عن تسوية رمادية.

ذلك لأن السياسة، مهما ارتدت من ثياب دينية، تظل في جوهرها فناً لإدارة المصالح.

المشهد الحالي في الشرق الأوسط يبدو مشبعاً بالخطاب المقدّس. إسرائيل تتحدث عن معركة وجودية، وإيران تقدّم نفسها بوصفها محور مقاومة، والولايات المتحدة تستحضر بدورها خطاباً أخلاقياً يبرر تدخلها. الكلمات المستخدمة كبيرة وثقيلة، لكنها ليست جديدة في تاريخ الصراعات.

في كل مرة ترتفع فيها نبرة المقدّس يكون العالم على أعتاب مرحلة تعبئة كبرى. غير أن هذه اللغة نفسها تحمل في داخلها بذور نهايتها، لأن الحروب الطويلة تستهلك الأساطير بسرعة مذهلة. ومع مرور الوقت تتراجع الشعارات الكبيرة، ويعود السياسيون إلى حساباتهم الواقعية.

عند تلك النقطة يتبين أن الشيطان الذي خيف منه طويلاً لم يكن إلا خصماً سياسياً بوجه آخر.

لهذا يمكن القول إن أخطر ما في الحروب ليس السلاح، بل اللغة التي تسبق إطلاقه. اللغة التي تصنع الشياطين وتوزع صكوك الخلاص.

وحين تهدأ الصواريخ يوماً ما سيكتشف الجميع أن السياسة كانت أقل قداسة بكثير مما ظنوا، وأكثر براغماتية بكثير مما أعلنوا.