جديد

ايران والمنطقة بعد العاصفة ٢

إيران والمنطقة بعد العاصفة تحولات الشرق (الحلقة الثانية)

كتب رياض الفرطوسي
في الشرق الأوسط لا تُقرأ السياسة من العناوين الكبيرة فقط، بل من الحرائق الصغيرة التي تُشعل في أطراف الخريطة. خلال العقدين الماضيين تحولت عدة دول عربية إلى ساحات صراع مفتوحة، العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، السودان. لم تكن تلك الحروب مجرد انفجارات داخلية، بل نتيجة شبكة معقدة من التدخلات والتحالفات والصراعات الإقليمية. بعض الأنظمة العربية شاركت في تلك المعارك بشكل مباشر أو غير مباشر، ظناً منها أن إبعاد النار عن حدودها هو الطريق الأقصر إلى الاستقرار.

لكن الجغرافيا السياسية لا تعمل بهذه البساطة. فالفوضى التي تُصنع في مكان ما تعود لاحقاً بأشكال مختلفة إلى محيطها. ومع انقضاء سنوات طويلة من الحروب بدأ سؤال آخر يتسلل بهدوء إلى النقاش الأكاديمي والسياسي، سؤال يتعلق بطبيعة الاستقرار نفسه في المنطقة.

عدد من الباحثين الغربيين تناولوا هذه المسألة من زوايا مختلفة. الباحث البريطاني ديفيد روبرتس، في دراساته حول سياسات الأمن في الممالك الخليجية، يرى أن استقرار هذه الدول لم يكن صدفة تاريخية، بل نتيجة منظومة دقيقة تجمع بين الثروة النفطية والتحالفات العسكرية والبنية الاجتماعية التقليدية. هذه المعادلة نجحت في خلق توازن سياسي طويل نسبياً في منطقة تعيش تقلبات حادة.

في المقابل تشير الباحثة كورتني فريير، في دراساتها عن المجتمعات الخليجية، إلى أن ما يسمى بالدولة الريعية لم يعد مفهوماً اقتصادياً فقط، بل أصبح إطاراً سياسياً واجتماعياً كاملاً. فالعلاقة بين الدولة والمجتمع قامت لعقود على توزيع الموارد مقابل الاستقرار السياسي. غير أن هذه العلاقة بدأت تتعرض لتغيرات هادئة مع صعود جيل جديد أكثر اتصالاً بالعالم وأكثر حساسية لقضايا المشاركة والهوية.

بعض الدراسات الغربية ذهبت أبعد من ذلك، وناقشت تأثير شبكة العلاقات الدولية في تشكيل استقرار المنطقة. فالعلاقات الأمنية العميقة مع الولايات المتحدة، كما تشير عدة كتب ودراسات، لعبت دوراً أساسياً في حماية هذه الأنظمة في لحظات التوتر الإقليمي. لكن هذه الحماية نفسها خلقت اعتماداً استراتيجياً طويل الأمد على المظلة الأمنية الغربية.

كل هذه القراءات تقود إلى نتيجة مهمة. الاستقرار في الخليج لم يكن مجرد نتيجة لوفرة المال، بل نتيجة هندسة سياسية معقدة تجمع بين الاقتصاد والتحالفات والشرعية الاجتماعية. ومع ذلك فإن أي نموذج سياسي، مهما بدا مستقراً، يواجه في النهاية تحديات داخلية مع تغير الزمن.

في المقابل تبدو إيران حالة مختلفة داخل المشهد الإقليمي. دولة عاشت عقوداً طويلة تحت العقوبات والضغوط الدولية، واضطرت لذلك إلى بناء منظومة داخلية تعتمد بدرجة أكبر على مؤسساتها المحلية وعلى قدرتها على إدارة الأزمات. هذا النوع من الدول يتشكل عادة تحت ضغط دائم، وهو ما يمنحه في كثير من الأحيان قدرة أعلى على التكيف مع العواصف.

ولهذا فإن مستقبل المنطقة لا يمكن فهمه عبر المقارنات السطحية بين الثروة والفقر أو بين الاستقرار والفوضى. السؤال الأعمق يتعلق بقدرة كل نموذج سياسي على إعادة إنتاج نفسه عندما تتغير الظروف.

بعد سنوات الحروب الطويلة ستجد دول المنطقة نفسها أمام مرحلة مختلفة. مرحلة لا يكفي فيها بناء الأبراج الزجاجية أو عقد التحالفات العسكرية، بل تتطلب إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي معنى السيادة والاستقلال في عالم تتغير موازينه بسرعة.

فالسياسة في الشرق الأوسط تشبه لعبة طويلة من التوازنات الدقيقة. قد تبدو الخريطة ساكنة من بعيد، لكنها في الحقيقة تتحرك ببطء تحت السطح. وعندما تهدأ العواصف الكبرى، تظهر الأسئلة التي كانت مؤجلة لسنوات. عندها فقط تبدأ المرحلة الأصعب، مرحلة مواجهة المستقبل بلا حرائق يمكن الاختباء خلفها.