جديد

بقايا شجاعة

رياض الفرطوسي

لم يعد العالم ينتظر بطلاً.
هذه الجملة وحدها تكفي لتلخيص مزاج عصر كامل.

في الأزمنة القديمة كان الناس ينسجون حول البطولة هالة تشبه الأسطورة. رجل يظهر في اللحظة الحاسمة، يغير مجرى الأحداث، ثم يختفي تاركاً وراءه حكاية تتناقلها الأجيال. كانت المخيلة الجماعية تحتاج إلى هذا النوع من الشخصيات، كما يحتاج الليل إلى نجمة بعيدة.

لكن شيئاً ما انكسر في الطريق.

العصر الحديث لم يلغِ الشجاعة تماماً، لكنه غيّر شكلها. الفيلسوف ألبرت كامو لمح إلى هذا التحول حين كتب عن الإنسان الذي يقاوم العبث لا بالسيف بل بالاستمرار في العيش رغم عبث العالم. أما المفكرة حنة آرندت فقد رأت أن أخطر ما في الأزمنة المضطربة ليس الشر نفسه، بل اعتياد الناس عليه حتى يصبح عادياً.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

البطل اليوم ليس من يفتح المدن ولا من يرفع الرايات فوق القلاع. البطل اليوم هو ذلك الشخص الذي يخرج صباحاً إلى عمله ويعود مساءً كما خرج، دون أن يسقط في حفرة الفوضى التي تتسع في كل شارع.

أن تحتفظ بذاكرتك سليمة في زمن الضجيج، هذا نوع من الشجاعة.
أن تبقى قادراً على التفكير وسط طوفان الشعارات، هذا شكل من المقاومة الصامتة.

في عالم تتكاثر فيه الأقنعة، يصبح الوجه الحقيقي مغامرة.

البطولة الصغيرة التي يعيشها الناس يومياً لا تظهر في نشرات الأخبار. هي معارك خفية تدور داخل الإنسان نفسه. معركة ضد التعب، ضد اليأس، ضد ذلك الصوت الداخلي الذي يقترح الاستسلام كحل عملي.

المجتمع الحديث بارع في اختراع الضجيج. أخبار، صور، تعليقات، جدالات لا تنتهي. كل شيء يتحرك بسرعة هائلة حتى يبدو التفكير نفسه ترفاً ثقيلاً.

وسط هذه الفوضى يصبح الهدوء فعلاً بطولياً.

أن تجلس مع كتاب بينما العالم يصرخ، هذه شجاعة.
أن ترفض الكذب حين يصبح الكذب عادة اجتماعية، هذه شجاعة أيضاً.
أن تحافظ على قدر من الكرامة الشخصية في زمن المساومات، هذه ربما أصعب البطولات.

المشكلة أن العصر الحالي يملك قدرة غريبة على تحويل كل شيء إلى “أمر عادي”. الكلمة تبدو بريئة، لكنها تعمل مثل مخدر بطيء. حين يصبح كل شيء عادياً، يتوقف الناس عن طرح الأسئلة.

الفساد يصبح عادياً.
الابتذال يصبح عادياً.
حتى الخيبة تتحول إلى خبر يومي لا يثير الدهشة.

وهكذا ينسحب الإنسان خطوة خطوة من موقعه الأخلاقي دون أن يشعر.

الفيلسوف فريدريك نيتشه تحدث يوماً عن خطر الإنسان الذي يفقد قدرته على الرفض. حين تختفي هذه القدرة يتحول الفرد إلى مجرد كائن يتكيف مع أي شيء، حتى لو كان ذلك الشيء انحداراً بطيئاً نحو القاع.

لذلك تبدو البطولة اليوم مختلفة تماماً.

هي ليست صعوداً درامياً إلى قمة جبل، بل محاولة مستمرة لعدم الانزلاق إلى الوادي. ليست لحظة مجد خاطفة، بل جهد يومي للحفاظ على توازن الروح.

في زمن الفضائح السريعة والنجوم المؤقتين، صار من السهل صناعة ضجة. يكفي مقطع مثير، تصريح صادم، أو عرض رخيص أمام عدسات الكاميرا. هكذا يولد “الحدث”.

لكن الضجيج ليس بطولة.

البطولة الحقيقية أكثر هدوءاً. هي ذلك القرار الصامت بأن يبقى الإنسان إنساناً، حتى عندما يغريه العالم بأن يتحول إلى شيء آخر.

ربما لهذا السبب تبدو القمم اليوم شبه فارغة. الطريق إليها شاق، والرياح فيها قاسية. قليلون فقط يقبلون هذا النوع من الصعود.

أما البقية فيفضلون البقاء في السهل، حيث الضوضاء كثيرة والأسئلة قليلة.

ومع ذلك، رغم كل هذا الغبار، تبقى هناك شرارة صغيرة لا تنطفئ.
بعض الناس ما زالوا يصرون على الاحتفاظ بقدر من النزاهة، بقدر من الحلم، بقدر من العناد الجميل.

هؤلاء لا يظهرون على المنصات، ولا تكتب عنهم العناوين الكبيرة.

لكنهم، بصمتهم اليومي، يحافظون على ما تبقى من الشجاعة في هذا العالم.