قناع العيد

رياض سعد


جاء العيد، وانتهى شهر رمضان، لكنّ زيدًا لم يشعر بأنّ يومًا مختلفًا قد أشرق… ؛ كانت الأيام قد تشابهت عليه حتى فقدت ملامحها، كأنها نسخ باهتة ليوم واحد طويل… ؛ فرتابة الحياة، وتوالي المشكلات، جعلاه يعجز عن التمييز بين العيد وغيره من الأيام؛ فكلّها تمرّ عليه بالثقل نفسه، والفراغ ذاته .
عند الظهيرة فتح جهاز الاستقبال الفضائي، فإذا بالشاشة الزرقاء تتلألأ ببرامج العيد: أغانٍ، وضحكات، ومذيعون يوزّعون الفرح كما لو كان واجبًا عامًا… ؛ بدا المشهد كأنّه محاولة لفرض البهجة قسرًا، كأن الفرح قرار يمكن بثّه عبر موجاتٍ وإشارات.
وقف زيد حائرًا …
ماذا ينبغي أن يفعل؟
أيفرح لأنّ التقويم يقول إنّه يوم عيد، أم يحزن لأنّ حياته لم تتبدّل؟
لم يجد في واقعه ما يدعوه إلى الفرح… ؛ بل بدا له أنّ الأعياد، على نحوٍ ما، تزيد حياته فقرا وضياعا وانهزاما وانكشافا ؛ ففي الأيام العادية يمكن للحزن أن يختبئ بين التفاصيل الصغيرة، أما في العيد فيصبح الحزن أكثر وضوحًا، لأنّ العالم كله يحتفل في الوقت الذي يعجز فيه قلبه عن المشاركة … .
تساءل في نفسه :
هل يمكن فرض الفرح على الإنسان من الخارج، بينما داخله مكسور؟
وهل يكفي أن يقال للناس “افرحوا” حتى تتبدّل أرواحهم ,وتتحول احزانهم الى افراح ومسرات؟
راودته رغبة قديمة أن يبكي، أن يندب حظه العاثر كما يفعل في كثير من الأيام… ؛ غير أنّه تراجع في اللحظة الأخيرة؛ فاليوم عيد، والبكاء في العيد يبدو كأنه خيانة لطقسٍ اجتماعيٍّ لا يُسمح بكسره .
بحث زيد عن حلٍّ صغير لهذا التناقض الكبير: أن لا يفرح كذبًا، ولا يحزن علنًا… ؛ أراد أن يقف في منطقةٍ محايدة بين الأمرين، كمن يعلّق نفسه بين سماء الفرح وأرض الحزن .
فرفع طرف قميصه وغطّى به وجهه، كأنّه يصنع لنفسه قناعًا مؤقتًا يعزله عن العالم… ؛ غير أنّ القناع كان ناقصًا؛ إذ انكشفت بطنه وبقيت ملامح جسده ظاهرة، كأنّ الحياة تقول له إنّ الإنسان قد ينجح أحيانًا في إخفاء وجهه، لكنه لا يستطيع أن يخفي عري هشاشته أمام الوجود.
وهكذا جلس زيد في منتصف النهار، لا هو محتفل ولا هو باكٍ، بل إنسانٌ عالقٌ بين ما يفرضه المجتمع من أفراح، وما يهمس به الداخل من وجع؛ كأنّ العيد مرّ من أمامه، بينما بقي هو واقفًا في باحة السؤال القديم :
هل الفرح حدثٌ يقع في التقويم…, أم حالة تولد في القلب؟