د. فاضل حسن شريف
قال الله سبحانه “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ” (النحل 36) من ميزات الطاغوت ان من يتبعه ينحرف عن عبادة الله تعالى. والطاغية الذي يصر على طغيانه ولا يفكر بالرجوع الى الله تعالى فان الله يختم على جوارحه ليصاب قلبه بالعمى كما قال جلت قدرته “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ” (الجاثية 23).
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ويبين القرآن محتوى دعوة الأنبياء عليهم السلام، بالقول: “أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ” (النحل 36). فأساس دعوة جميع الأنبياء واللبنة الأولى لتحركهم هي الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الطاغوت، وذلك لأن أسس التوحيد إذا لم تحكم ولم يطرد الطواغيت من بين المجتمعات البشرية فلا يمكن إجراء أي برنامج إصلاحي.”الطَّاغُوتَ”: صيغة مبالغة للطغيان أي التجاوز والتعدي وعبور الحد، فتطلق على كل ما يكون سببا لتجاوز الحد المعقول، ولهذا يطلق اسم الطاغوت على الشيطان، الصنم، الحاكم المستبد، المستكبر وعلى كل مسير يؤدي إلى غير طريق الحق. وتستعمل الكلمة للمفرد والجمع أيضا وإن جمعت أحيانا بالطواغيت. فالسنة الإلهية اقتضت في البداية جعل الهداية التشريعية ببعث الأنبياء ليدعوا الناس إلى التوحيد ورفض الطاغوت تماشيا مع الفطرة الإنسانية، ومن ثم فمن يبدي اللياقة والتجاوب مع الدعوة فردا كان أم جماعة يكون جديرا باللطف الإلهي وتدركه الهداية التكوينية. تقول الآية الكريمة: “مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ” ﴿المائدة 60﴾ وإطلاق تسمية عبد الطاغوت على أهل الكتاب، إما أن يكون إشارة إلى عبادة العجل من قبل اليهود، أو إشارة إلى انقياد أهل الكتاب الأعمى لزعمائهم وكبارهم المنحرفين.
عن الطاغوت في آيات القرآن الكريم قال عز من قائل”الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا” ﴿النساء 76﴾ في سبيل الطاغوت: في نصرة الشرك و الظلم، و”قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ” ﴿المائدة 60﴾ عبد الطاغوت اي أطاع الشيطان او المخلوق في معصية الله، و”وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” ﴿النحل 36﴾ واجتنبوا الطاغوت: كلّ معبود باطل و كلّ داع إلى ضلالة، و”وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ” ﴿الزمر 17﴾ اجتبوا الطاغوت: تركوا عبادة ما يعبد من دون الله.
جاء في الحج والعمرة في الكتاب والسنة لمحمد الريشهري: واحتذت الأمة الإسلامية في إعلان البراءة من المشركين حذو هذه الأسوة النبوية في التاريخ، والناظر في القرآن الكريم يجد فيه أن البراءة من المشركين أحد ركني التوحيد الأصيلين، حيث قرن دعوة الأنبياء إلى التبري من الطاغوت إلى جوار دعوتهم إلى عبادة الله”وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ” (النحل 36). و”الطَّاغُوتَ” لا ينحصر بالأوثان والأنصاب التي اصطنعت واتخذت في عصر الجاهلية، بل إن أجلى مظاهر الطاغوت هو تلك السلطات المشركة التي تسوق المجتمع إلى وجهة مغايرة لوجهة أنبياء الله تعالى. وهذا قول الصادق عليه السلام في بيان معنى الطاغوت في الآية السابعة عشرة من سورة الزمر: “وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا”: من أطاع جبارا فقد عبده. والمهمة الأساسية هو التعرف على المؤامرة المعقدة التي حيكت في تاريخ المسلمين للتستر على أجلى مظاهر الطاغوت والشرك، لئلا تشعر المجتمعات الإسلامية الخطر من هذه الناحية، فتظل نظرتها إلى البراءة من المشركين حبيسة في نطاق البراءة من أصنام عصر الجاهلية الأولى. وقد كشف الإمام الصادق عليه السلام في عصره عن هذه المؤامرة الخطرة، وأعلن بصوت جهير: (إن بني أمية أطلقوا للناس تعليم الإيمان ولم يطلقوا تعليم الشرك، لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه).
الكلمتان الجبت والطاغوت وردت مرة واحدة معا في الآية المباركة “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَـٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا” ﴿النساء 51﴾. اما الطاغوت فقد تكررت الكلمة لوحدها في عدد من الآيات”لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” ﴿البقرة 256﴾، و”اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” ﴿البقرة 257﴾، و”أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا” ﴿النساء 60﴾، و”الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا” ﴿النساء 76﴾، و”قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ” ﴿المائدة 60﴾، و”وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” ﴿النحل 36﴾، و”وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ” ﴿الزمر 17﴾.
من الطواغيت ابليس كما قال الله جل جلاله”وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” (النحل 36) فطواغيت الانس يطيعوا اوامر طاغوتهم الاكبر ابليس ليضلوا الاخرين فيتبعوهم فيصبحوا من بطانية الطاغية مهما صغر او كبر، واخرين يرفضون ظلم الطاغية فطريقهم الهداية. فعاقبة مكذبي رسل الله وائمته وعلمائه الصالحين إلى سوء كما بينت القصص القرآنية. فهؤلاء ضلوا السبيل فحول الله منهم قردة وخنازير كما قال عز من قائل”قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ” (المائدة 60). واكثر بطانة الظالم هم المنافقون الذين يقولون خيرا ولكنهم يبطنون الشر و منهم الجواسيس قال الله عز وجل”أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا” (النساء 60-61).