د. فاضل حسن شريف
قال الله جل جلاله”وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ” ﴿الأعراف 50﴾ جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: بعد أن استقر كل من أهل الجنة وأهل النار في أماكنهم ومنازلهم، تدور بينهم حوارات نتيجتها العقوبة الروحية والمعنوية لأهل النار. وفي البداية يبدأ الكلام من جانب أهل النار: “وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ” (الاعراف 50) فهم يطلبون أن يجودوا عليهم بشئ من الماء أو من نعم الجنة. ولكن أهل الجنة يبادرون إلى رفض هذا المطلب”قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ” ﴿الأعراف 50﴾. إن أول طلب يطلبه أهل النار هو الماء، وهذا أمر طبيعي، لأن الشخص الذي يحترق في النار المستعرة يطلب الماء قبل أي شئ حتى يبرد غليلة ويرفع به عطشه.
وردت كلمة أفاض ومشتقاتها في القرآن الكريم: أَفَضْتُم، أَفِيضُوا، أَفَاضَ، تَفِيضُ، تُفِيضُونَ. قال الله تعالى “ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” ﴿البقرة 199﴾ أفيضوا: انظروا و أسرعوا، و”لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ” ﴿البقرة 198﴾ أفضتم: دفعتم أنفسكم بكثرةٍ و سِرتم، و قيل المعنى: جئتم. أو رجعتم من حيث جئتم، و”وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ” ﴿الأعراف 50﴾ أفيضوا: صبوا، و”وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” ﴿يونس 61﴾ تفيضون: تأخذون، تفيضون فيه اي تعملون و تقولون، و”وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” ﴿النور 14﴾ افضتم اي تحدثتم بتوسع ودون تحفظ، إفاضة القوم في الحديث خوضهم فيه، و”أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” ﴿الأحقاف 8﴾ تفيضون فيه: تقولون فيه و تتحدثون، أو تلغطون، أو تندفعون فيه طعناً و تكذيباً، و”وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ” ﴿المائدة 83﴾ تفيض من الدمع اي تمتلئ أعينهم بالدمع فتـَـصبّه، و”وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ” ﴿التوبة 92﴾ تفيض من الدمع اي تمتلئ به فتصُبّه.
جاء في معاني القرآن الكريم: فيض فاض الماء: إذا سال منصبا. قال تعالى: “تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ” (المائدة 83)، وأفاض إناءه: إذا ملأه حتى أساله، وأفضته. قال: “أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ” (الاعراف 50)]، ومنه: فاض صدره بالسر. أي: سال، ورجل فياض، أي: سخي، ومنه استعير: أفاضوا في الحديث: إذا خاضوا فيه، قال: “لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ” (النور 14)،”هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ” (الاحقاف 8)،”إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ” (يونس 61)، وحديث مستفيض: منتشر، والفيض: الماء الكثير، يقال: إنه أعطاه غيضا من فيض، أي: قليلا من كثير وقوله: “فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ” (البقرة 198)، وقوله: “ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ” (البقرة 199)، أي: دفعتم منها بكثرة تشبيها بفيض الماء، وأفاض بالقداح: ضرب بها، وأفاض البعير بجرته: رمى بها، ودرع مفاضة: أفيضت على لابسها كقولهم: درع مسنونة، من: سننت أي: صببت.
عن ابن عرادة: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يعشي الناس في شهر رمضان باللحم ولا يتعشى معهم، فإذا فرغوا خطبهم ووعظهم، فأفاضوا ليلة في الشعراء وهم على عشائهم، فلما فرغوا خطبهم عليه السلام وقال في خطبته: اعلموا أن ملاك أمركم الدين، وعصمتكم التقوى، وزينتكم الأدب، وحصون أعراضكم الحلم. عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرني إن كنت عالما عن الناس، وعن أشباه الناس، وعن النسناس؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا حسين أجب الرجل. فقال الحسين عليه السلام: أما قولك: أخبرني عن الناس، فنحن الناس، ولذلك قال الله تعالى ذكره في كتابه: “ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ” (البقرة 199) فرسول الله صلى الله عليه وآله الذي أفاض بالناس. عن ابن عباس قال كانت العرب تقف بعرفة وكانت قريش دون ذلك بالمزدلفة فأنزل الله”ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ” (البقرة 199). عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يوم التلاق يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض، ويوم التناد يوم ينادي أهل النار أهل الجنة “أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ” (الاعراف 50) ويوم التغابن يوم يغبن أهل الجنة أهل النار، و يوم الحسرة يوم يؤتى بالموت فيذبح. عن الامام الصادق عليه السلام: قال عليه السلام: ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة بالبطحاء هو وأصحابه، ولم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلوا بالحج، وهو قول الله الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وآله: “فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا” (ال عمران 95) فخرج النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه مهلين بالحج حتى أتوا منى، فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثم غدا والناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله”ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ” ﴿البقرة 199﴾، يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السلام في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم. فلما رأت قريش أن قبة رسول الله صلى الله عليه وآله قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهى إلى نمرة وهي بطن عرنة بحيال الأراك فضرب قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها.
وعن المتقين وعلاقتهم بخلق الانسان يقول الاستاذ محمد حسين علي الصغير رحمه الله: هذه المفاجأة لجنس الانسان إلا المتقين يجب أن يقف بإزائها وقفة الصامد الخبير، فأعماله متمثلة أمامه، وأفعاله وأقواله متجسدة في قوالبها لديه، والشاهد هو الحاكم، والحاكم هو الله، وكفىٰ في ذلك شدة وروعة وترويعاً وذهولاً، لهذا فقد حذر هذا الانسان من أهوال ذلك اليوم ومشاهده، قال تعالىٰ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ (2)” (الحج 1-2). إنها الواقعة والراجفة والطامة والنازلة الكبرى، تصدق في كل جزئياتها، وتجد في كل ساعاتها، فلا كذب ولا لعب”إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)” (الواقعة 1-2). هنالك يمتاز الناس إلى أزواج ثلاثة كما ينص القرآن العظيم”وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (7) فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ المَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ المُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ (14)” (الواقعة 7-14). وذلك أن الناس يوم الحشر بهذا الاعتبار يصنفون إلى: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، والسابقين. فأهل الجنة هم أصحاب اليمين، وأهل النار هم أصحاب الشمال، والسابقون هم تلك الطبقة العليا التي اهتبلت فرصة الحياة الدنيا فقفزت باتجاه واحد نحو الله وحده، سبقوا إلى الايمان، وسبقوا إلى الخيرات، وسبقوا إلى العبادة بأنصع مظاهرها فتسنموا الدرجة الراقية في الزلفىٰ. وفي هذا الضوء تنقسم ساحة المحشر للعباد إلى منحنيات متميزة حينئذ: أصحاب الجنة / أصحاب النار / رجال الأعراف، وحينئذ تصدر النداءات المتداولة بين هذه الأصناف النازلة في الساحة، بعد عرفان كل شيء، ورفع الحجب والأستار، والوقوف عند الحقيقة الهائلة. قال تعالى “وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ” (الاعراف 44). وفي قبال هذا النداء الضخم المشتمل على كثير من الاستظهار والتحدي والتشفي والاطمئنان المتكامل يصدر النداء الآخر”وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ” (الاعراف 50). فكل أماني هؤلاء الطغاة شيء من الماء أو قليل من الرزق، ويجبهون يأساً وحرماناً وبعداً بأن الله حرمهما على الكافرين.
عن مفاهيم حول الاستخلاف لشهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم قدس سره: السجود لآدم: هل خلق آدم للجنة أم للأرض؟ أن عملية الاغواء يمكن أن تكون من خلال وجوده في خارج الجنة، لان الخطاب بين أهل الجنة وغيرهم ممن هو في خارج الجنة ميسور، كما دل على ذلك القرآن الكريم في خطاب أهل الجنة وأهل النار: “ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا ان الله حرمهما على الكافرين” (الاعراف 50). وفي خطاب أصحاب الجنة لأصحاب النار: “ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ان قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين” (الاعراف 44).