العقل المدني في المنظومة الأمنية: قراءة في إشكالية التمكين وصناعة القرار

​بقلم: حسين شكران العقيلي
​تعد وزارة الداخلية في أي دولة الركيزة الأساسية لحفظ (الاستقرار الداخلي) وتنظيم حياة المواطنين، وهي في جوهرها مؤسسة خدمية إدارية بقدر ما هي أمنية. ومع ذلك، تبرز في بعض المجتمعات العربية إشكالية (هيكلية) تتمثل في تحجيم دور (الموظف المدني) وحصره في مهام تنفيذية أو سكرتارية، بعيداً عن (المنصب القيادي) أو مراكز (صناعة القرار). هذه الفجوة التنظيمية تثير تساؤلاً جوهرياً حول جدوى تغليب (الصبغة العسكرية) على مفاصل إدارية يمكن للكفاءات المدنية الأكاديمية أن تديرها برؤية أكثر مرونة وعصرنة.
​إذا نظرنا إلى التجارب الدولية، وتحديداً في (الدول الأوروبية)، نجد أن وزارة الداخلية تُدار بعقلية (المؤسسة المدنية). فالموظف المدني هناك ليس مجرد رقم وظيفي، بل هو (قائد استراتيجي) يشغل مناصب (مدير عام) أو (وكيل وزارة) أو حتى (وزير)، حيث يتم الفصل بين (العمل الميداني العسكري) الذي يختص به رجال الشرطة، وبين (التخطيط الإداري والسياساتي) الذي يقوده المدنيون. هذا النموذج أثبت نجاحه في تحقيق (توازن مؤسسي) يسمح بتطبيق معايير (الجودة الشاملة) والرقابة الإدارية بعيداً عن المركزية الصارمة.
​أما في الواقع العربي، فإن غياب الموظف المدني عن (الهرم القيادي) داخل وزارة الداخلية يؤدي إلى حرمان الوزارة من طاقات (أصحاب الشهادات العليا) في مجالات القانون، والإدارة، والتقنية، والعلوم الاجتماعية. إن حصر القيادة في الرتب العسكرية فقط يخلق نوعاً من (النمطية الإدارية) التي قد لا تتناسب مع التحولات الرقمية والاجتماعية المتسارعة. فالمدني بطبيعته الأكاديمية يميل إلى (التحليل الاستراتيجي) و(الإدارة المرنة)، وهي أدوات ضرورية لتطوير قطاعات مثل (الأحوال المدنية، المرور، الجوازات، والتخطيط المالي).
​إن (تمكين المدنيين) في مناصب قيادية داخل الوزارة ليس انتقاصاً من الدور العسكري، بل هو (تكامل مؤسسي) ضروري. فالمجتمع العربي اليوم يحتاج إلى “داخلية” تدار بعقلية (الخدمة العامة) إلى جانب (الضبط الأمني). إن وجود موظف مدني صاحب (قرار ومهام) قيادية يعزز من (الشفافية الإدارية) ويفتح الباف أمام الابتكار في تقديم الخدمات للمواطنين، كما يسهم في بناء (صورة ذهنية) إيجابية للمؤسسة الأمنية كجهة داعمة للمجتمع وحامية لحقوقه.
​ختاماً، إن الانتقال نحو (الاحتراف الإداري) في وزارة الداخلية يتطلب مراجعة شاملة لـ (التوصيف الوظيفي) والترقيات القيادية. إن الاستفادة من (الخبرات المدنية) وتسكينها في مناصب تليق بمؤهلاتها العلمية هو استثمار في (أمن المستقبل). فالقوة لا تكمن فقط في الميدان، بل في (الفكر الإداري) الذي يدير الميدان، وهذا الفكر يتطلب مساحة من الحرية والقرار لا يمتلكها إلا من تدرب على (فنون الإدارة المدنية) الحديثة.