بقلم الكاتب: حسين شكران العقيلي
لا يمكن قراءة تاريخ الأمم بمعزل عن صراع الأفكار، فالفكرة هي البذرة الأولى التي تنبت إما (حضارةً وتسامحاً) أو (صراعاً وانحرافاً). وفي واقعنا المعاصر، نجد أنفسنا أمام موجة عاتية من (التيارات المنحرفة) التي لم تعد مجرد آراء شاذة تُطرح في زوايا النسيان، بل تحولت إلى (منظومات فكرية) عابرة للحدود، تستهدف تفتيت (المرتكزات الشرعية) وهز (الثوابت الاجتماعية). إن (فقه المواجهة) الذي ننشده اليوم ليس مجرد رد فعل دفاعي، بل هو (مراجعة نقدية) عميقة تبحث في جذور الانحراف لتفكيك بنيته قبل أن تتحول إلى (سلوك تدميري) يضرب في عمق الفرد والمجتمع.
إن مكمن الخطر في هذه التيارات يبدأ من (الخيانة المنهجية) للنص الشرعي؛ حيث تعمد هذه الأفكار إلى ممارسة نوع من (الانتقائية المخلة)، فتأخذ من الدين ما يخدم أهواءها وتترك (المحكمات) التي تضبط مسار الفهم. وهنا يظهر (الأثر الشرعي) السلبي جلياً في تحويل الدين من وسيلة للهداية والرحمة إلى أداة لـ (الصراع والتفرقة). هذا الانحراف يولد (تديناً مشوهاً) يقدس (التفسيرات البشرية) الضيقة ويمنحها قدسية النص، مما يؤدي إلى ضياع (مقاصد الشريعة) الكبرى، وعلى رأسها حفظ النفس والعرض والعقل، فتصبح الفتوى (سلاحاً) بدلاً من أن تكون نبراساً.
وعلى الضفة الأخرى، يمتد هذا الانحراف ليلقي بظلاله القاتمة على (البنية الاجتماعية)؛ فالتيار المنحرف، أياً كان توجهه، يعمل كـ (معول هدم) في نسيج العلاقات الإنسانية. هو يبدأ بعزل الفرد عن محيطه الطبيعي (الأسرة، المسجد، الجامعة) ويزرع فيه روح (الاستعلاء الفكري) أو (الاغتراب الوجداني)، مما يجعل الفرد يرى في مجتمعه (بيئة معادية) أو جاهلة يجب التصادم معها لا التعايش فيها. هذه (العزلة الشعورية) هي المرحلة التمهيدية لتفكيك الأسرة، حيث يصبح التمرد على (القيم الوالدية) والروابط القرابية مظهراً من مظاهر (الاستقامة) أو (التحرر المزعوم)، وهو ما يقود في نهاية المطاف إلى (مجتمع ممزق) يفتقد للأمن النفسي والانسجام القيمي.
إن النتائج السلبية لهذه الظاهرة لا تتوقف عند حدود الفكر، بل تتحول إلى (جروح غائرة) في جسد المجتمع؛ فالفرد الذي يسقط في فخ الانحراف يفقد (توازنه الفطري)، ويتحول من (عنصر بناء) إلى طاقة معطلة أو مخربة، يعيش حالة من (التيه القلق) الذي يسلبه السلام الداخلي. أما المجتمع، فيدفع الثمن غضاضةً في (أمنه واستقراره)، حيث تتبدد الجهود في (صراعات جانبية) وتُهدر الطاقات في معالجة آثار (العنف الفكري) بدلاً من التنمية والازدهار.
إن مواجهة هذه التيارات تتطلب فِقهاً يجمع بين صرامة (التأصيل الشرعي) وليونة (الاستيعاب الاجتماعي). لا يكفي أن نرفض الفكر المنحرف، بل يجب أن نفكك (منطقه)، ونكشف (تهافته المعرفي)، ونقدم البديل الذي يشبع نهم الشباب للقيم دون أن يسلبهم (عقولهم) أو ينزعهم من (جذورهم). إنها (معركة وعي) بامتياز، تبدأ من فهم أن الانحراف ليس قدراً محتوماً، بل هو (خلل في المنهج) يمكن تقويمه إذا ما تضافرت جهود المؤسسات الدينية والاجتماعية لترسيخ (قيم الوسطية)، وإعادة الاعتبار لـ (العقلانية المؤمنة) التي تبني الإنسان وتصون الأوطان.
فقه المواجهة: مراجعات شرعية واجتماعية لظاهرة الانحراف الفكري المعاصر