حروب الظل ( الإعلام من ناقل للخبر إلى سلاح لصناعة السرديات)

​بقلم: حسين شكران العقيلي

​في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، لم تعد الحروب تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة أو الصدامات الحدودية التقليدية، بل انتقلت إلى ميادين أكثر تعقيداً ونعومة، تُعرف بـ «حروب الظل». وفي قلب هذه الحروب، يبرز الإعلام ليس كأداة لنقل الأحداث أو مرآة عاكسة للواقع، بل كترسانة استراتيجية وسلاح فتاك يُستخدم في صياغة السرديات وتوجيه الوعي الجمعي. لقد انتهى العصر الذي كانت فيه المعلومة تهدف إلى التنوير، لتبدأ حقبة «هندسة الإدراك»، حيث يتم تزييف الحقائق أو إعادة تدويرها لخدمة أجندات القوة والنفوذ، مما يضع مفهوم (الحقيقة) في مهب الريح وسط صراع محموم بين القوى الدولية والفاعلين غير الحكوميين.
​إن التحول الجوهري في وظيفة الإعلام المعاصر يكمن في قدرته على الانتقال من «الإخبار» إلى «الإنشاء»؛ فهو لا ينقل الخبر بقدر ما يصنع الرواية التي تحيط به. هذه العملية لا تتم بشكل عشوائي، بل تستند إلى توظيف دقيق للخوارزميات والذكاء الاصطناعي، التي تعمل كعصب حيوي في توجيه الرأي العام. فمن خلال «فقاعات الترشيح» و«غرف الصدى»، يتم حصر المستخدمين في دوائر معرفية ضيقة تعزز انحيازاتهم المسبقة وتغلق أبواب النقد أمامهم، مما يجعل من السهل حقن السرديات الموجهة وتمرير الشائعات كحقائق لا تقبل التأويل. في هذا السياق، لم يعد المتلقي مجرد مستهلك للمعلومات، بل أصبح هدفاً في عملية «غسيل أدمغة رقمية» منظمة، تستهدف تفكيك الثوابت وبناء ولاءات جديدة قائمة على عواطف مشحونة بدلاً من الحقائق المجردة.
​ويتجلى خطر هذا السلاح الإعلامي في قدرته على طمس الحدود بين الزيف والحقيقة؛ فبفضل تقنيات «التزييف العميق» (Deepfake) وتوليد المحتوى عبر الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان القوى المنخرطة في حروب الظل اختلاق أحداث لم تقع، أو نسب تصريحات لم تصدر، بصورة تفوق قدرة الفرد العادي على التمييز. هذا الصراع المحموم حول تساؤل «من يملك الحقيقة؟» خلق حالة من السيولة المعرفية، حيث يضيع الخبر اليقين وسط ركام من المعلومات المضللة والمعلومات الخاطئة .
إن الهدف النهائي لهذه الاستراتيجيات ليس دائماً إقناع الجمهور برواية معينة، بل غالباً ما يكون الهدف هو خلق حالة من «الشك والارتباك الدائم»، بحيث يفقد المجتمع ثقته في جميع المصادر، مما يسهل عملية السيطرة عليه وتوجيهه سياسياً واجتماعياً.
​أمام هذا المشهد الضبابي، يبرز «الوعي النقدي» ليس كترف فكري، بل كضرورة وجودية وسبيل وحيد لتمييز الخبيث من الطيب في فضاء المعلومات. إن مواجهة حروب السرديات تتطلب بناء عقلية تحليلية تتجاوز ظاهر النصوص والصور، لتسأل عن «المصلحة» و«السياق» و«الممول». إن الانعتاق من أسر الخوارزميات يتطلب يقظة معرفية تعيد الاعتبار للمنهج العلمي في التفكير، وترفض الاستسلام العاطفي للمحتوى الجذاب الذي يخفي وراءه سموماً تهدف إلى تفتيت النسيج الاجتماعي أو تبرير الصراعات. وفي الختام، يظل الرهان قائماً على قدرة الإنسان على استعادة سلطته فوق الآلة، وعلى استرجاع الإعلام لوظيفته الأخلاقية، قبل أن تتحول الحقيقة إلى مجرد «وجهة نظر» في أجندة أمراء الظل.