سلالم النزول وخريف البعبع الامريكي

سلالم النزول وخريف البعبع الأمريكي
كتب رياض الفرطوسي
بينما كان العالم يحبس أنفاسه بانتظار “صدمة ورهبة” جديدة تعيد الشرق الأوسط إلى العصر الحجري، استيقظ الجميع على تغريدة سريالية من “تروث سوشال” تبشر بعصر ذهبي وشيك. هذا التحول الدراماتيكي من لغة الفناء إلى لغة الرخاء ليس مجرد “فن صفقة” كما يراه دونالد ترامب، بل هو فصل جديد من مسرحية “السلالم الباكستانية” التي تُتقن إسلام آباد بناءها كلما علقت الهيبة الأمريكية في زقاق جيوسياسي مسدود.

في أروقة مراكز الأبحاث الدولية، من “تشاتام هاوس” إلى “بروكينغز”، يُنظر إلى باكستان دائماً كصمام أمان سري، أو “المُحلل الاستراتيجي” الذي يمنح القوى العظمى مخرجاً يقيها شر الانكسار العلني. هي ذات السلالم التي نُصبت يوماً لنيكساً في طريقه إلى الصين، ولبايدن في هروبه الكبير من كابل، واليوم تُنصب لحفظ ماء وجه “المركزية الغربية” أمام الإصرار الإيراني الذي كسر قواعد الاشتباك القديمة. إنها عبقرية “إدارة الحافة” حيث تُصاغ استغاثات واشنطن في قالب “مبادرات سلام” إقليمية، لتبدو استجابة القوة العظمى لها وكأنها كرم أخلاقي، لا اضطراراً عسكرياً.

ما نعيشه اليوم هو تجسيد حي للوحة “ثبات الذاكرة” لسلفادور دالي؛ زمن سيّال يذوب فيه المنطق وتختفي فيه الحدود بين الواقع والهراء. فكيف يمكن للمرء أن يحلل “الهراء” بأدوات نيتشه الفلسفية؟ إن تعريف التاريخ هنا يُختزل في لحظة الوجود الأمريكي؛ فالعالم قبل هرمز ليس كما بعده، والحضارات لا تُقاس بعمقها الإنساني بل بمدى انصياعها لإيقاع “الرجل الأبيض”. هذا المنطق الطبقي يرى في الشعوب مجرد بيادق في رقعة شطرنج، متناسياً أن “الضربة القاضية” التي وجهتها طهران للمشروع الصهيوني-الأمريكي لم تكن مجرد رد عسكري، بل كانت إعلاناً عن نهاية عصر “البعبع” الذي استعبد الوعي العربي لعقود.

إن العصر الذهبي الذي يروج له ترامب هو في الحقيقة عصر “تسييل الثوابت”، حيث يصبح الانبطاح سلاماً والتبعية ازدهاراً. لكن القراءة العميقة لما وراء الضجيج الإعلامي تكشف عن تصدع كبير في جدار الهيمنة؛ فالحليف العربي المتهالك والنظم الجبانة لم تعد قادرة على حماية “الشرطي العالمي” الذي بات يبحث عن سلم للنزول قبل أن تشتعل النيران في عباءته. هي لحظة تأمل نادرة، تدعونا لاستعادة الكرامة المسلوبة، ليس عبر انتظار الصدف السياسية، بل عبر استلهام صلابة الأمم التي انتفضت لسيادتها وأثبتت أن الوحش الكاسر، رغم أنيابه النووية، يمتلك قلباً يرتجف أمام إرادة الشعوب الحرة. إنها دعوة للخروج من “تيه” التبعية إلى فضاء الندية، قبل أن تتحول السلالم الباكستانية من مخارج طوارئ إلى منصات لوداع حقبة الهيمنة الواحدة إلى الأبد.