إيهاب مقبل
في أعقاب الهدنة التي أُعلنت في السابع من أبريل نيسان 2026، برز سؤال جوهري في الأوساط السياسية والإعلامية: من انتصر في هذه الحرب؟ وبينما سارع كل طرف إلى إعلان “النصر”، تكشف القراءة المتأنية لمسار المواجهة أن الصورة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد فائز وخاسر.
عسكريًا، أظهرت واشنطن وحلفاؤها قدرة واضحة على تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت مواقع حساسة داخل إيران، بما في ذلك منشآت عسكرية وبنى تحتية استراتيجية. هذه العمليات عكست تفوقًا تقنيًا واستخباراتيًا ملحوظًا. في المقابل، لم تكن إيران عاجزة، إذ ردّت عبر هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة طالت أهدافًا إقليمية، مؤكدة قدرتها على إلحاق الضرر وفرض معادلة ردع نسبي. ومع ذلك، لم تنجح أي من الجهتين في تحقيق حسم عسكري واضح أو تغيير جذري في ميزان القوى. وعليه، يمكن وصف النتيجة العسكرية بأنها “تعادل مسلح” دون منتصر حاسم.
سياسيًا، حاول كل طرف توظيف نتائج الحرب لصالحه. فقدّمت واشنطن الهدنة باعتبارها دليلًا على نجاح الضغط العسكري في إجبار إيران على التراجع، بينما رأت طهران في صمودها وعدم انهيار نظامها انتصارًا بحد ذاته، خاصة في مواجهة قوة عسكرية كبرى. هذا التباين يعكس نمطًا متكررًا في النزاعات الحديثة، حيث يُصاغ “النصر” بلغة الخطاب السياسي أكثر مما يُحسم على أرض المعركة. النتيجة هنا ليست انتصارًا حقيقيًا لأي طرف، بل “نصر سردي” مزدوج.
أمنيًا، كشفت الحرب عن نقاط قوة وضعف لدى الطرفين. أظهرت العمليات العسكرية مستوى عاليًا من الاختراق الاستخباراتي والقدرة على الوصول إلى أهداف حساسة، وهو ما يطرح تساؤلات حول أمن البنية الداخلية. في المقابل، بيّنت ردود الفعل الإيرانية أن قدراتها الصاروخية وشبكاتها الإقليمية ما تزال فاعلة. النتيجة الأمنية يمكن تلخيصها في أن كل طرف تعلّم عن الآخر بقدر ما كشف من نفسه.
أما اقتصاديًا، فالصورة أوضح: الجميع خسر. فقد تأثرت أسواق الطاقة العالمية، وارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وتزايدت الضغوط على اقتصادات المنطقة. كما أن الكلفة المباشرة للعمليات العسكرية كانت مرتفعة، سواء من حيث الإنفاق العسكري أو تعطّل النشاط الاقتصادي. وفي مثل هذه الحروب، تكون الخسائر الاقتصادية تراكمية وتمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء القتال.
وبالنظر إلى المحصلة العامة، يصعب الحديث عن “منتصر” بالمعنى التقليدي. فأمريكا الشمالية وحلفاؤها حققوا أهدافًا تكتيكية دون حسم استراتيجي، وإيران نجحت في الصمود دون تحقيق تفوق حاسم. أما الخاسر الأكبر، فهو الاستقرار الإقليمي والاقتصاد، إضافة إلى المدنيين الذين يتحملون دائمًا العبء الأكبر لأي تصعيد.
في هذا السياق، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى “تجميد مؤقت للصراع” منها إلى نهاية حقيقية له. فالأسباب العميقة للتوتر لم تُحل، ما يترك الباب مفتوحًا أمام سيناريوهات متعددة في المرحلة المقبلة.
ومن العوامل التي تجعل احتمال عودة الحرب قائمًا أن هذه الهدنة تبدو بطبيعتها هشة، فكثير من اتفاقات وقف إطلاق النار في المنطقة تكون مؤقتة أو مشروطة، وأي خرق حتى لو كان محدودًا قد يعيد دوامة التصعيد. كما أن جذور الصراع لم تُعالج، إذ ما تزال ملفات النفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي، والعقوبات الاقتصادية قائمة دون تسوية حقيقية، وهو ما يبقي أسباب التوتر حاضرة.
إلى جانب ذلك، لا يعني وقف إطلاق النار نهاية الصراع بالكامل، إذ قد تستمر ما يُعرف بـ”حروب الظل”، من خلال عمليات استخباراتية وضربات محدودة أو استهدافات غير مباشرة، وهي أنماط شائعة في مثل هذه النزاعات. كما تلعب الحسابات الداخلية دورًا مهمًا، حيث قد يلجأ أي طرف إلى التصعيد لأسباب سياسية داخلية أو لإظهار القوة وتعزيز موقعه أمام جمهوره.
وإذا ما قُدرت الاتجاهات المحتملة، فيمكن القول إن استمرار الهدنة مع بقاء التوتر هو السيناريو الأكثر ترجيحًا، بنسبة تقارب 50%، خاصة في ظل إدراك الأطراف لكلفة الحرب الشاملة. يلي ذلك احتمال حدوث تصعيد محدود أو ضربات متقطعة بنسبة تقارب 35%، وهو نمط شائع في مثل هذه الصراعات. أما احتمال اندلاع حرب شاملة، فيبقى أقل نسبيًا، بحدود 15%، لكنه يظل قائمًا في حال وقوع تطورات غير محسوبة أو انهيار التفاهمات الحالية.
وهكذا، تعكس هذه الحرب حقيقة أساسية في العلاقات الدولية: ليس كل صراع ينتهي بمنتصر، بل إن كثيرًا من الحروب الحديثة تنتهي فقط عندما يدرك الجميع أن كلفتها أصبحت أعلى من أي مكسب محتمل.
وفي هذا السياق، يبرز موقع العراق كحالة خاصة في المشهد الإقليمي. فالعراق ليس منتصرًا، وليس مهزومًا بالكامل، بل دولة تدفع كلفة موقعها الجيوسياسي الحساس، حيث تتقاطع على أرضه مصالح ونفوذ القوى المتصارعة، ما يجعله أكثر عرضة لتداعيات أي تصعيد إقليمي، سواء عبر ضغوط أو استهدافات غير مباشرة أو عمليات تمتد من أطراف متعددة في الصراع.
أما تل أبيب فهي ليست خاسرة بشكل مباشر في هذه الحرب، لكنها أيضًا ليست منتصرة نهائيًا. هي طرف يحقق مكاسب أمنية وتكتيكية متكررة، مقابل كلفة استراتيجية وسياسية مستمرة، ضمن صراع طويل غير محسوم.
خلاصة
في المحصلة، لا تبدو هذه المواجهة كحرب انتهت بمنتصر واضح أو مهزوم نهائي، بل كسلسلة من الاختبارات المتبادلة بين أطراف تمتلك أدوات قوة مختلفة، لكنها لا تملك القدرة على الحسم الكامل. ما جرى يعكس طبيعة الصراعات الحديثة التي تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد والإعلام، وتتحول فيها “النتائج” إلى روايات متعددة أكثر من كونها وقائع نهائية.
وبينما يستمر كل طرف في تقديم قراءته الخاصة لما حدث، تبقى الحقيقة الأعمق أن كلفة هذه المواجهة كانت موزعة، وأن آثارها ستستمر سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا لفترة طويلة، حتى بعد توقف العمليات المباشرة.
يمكن القول إنها كانت معركة ضمن حرب لم تنتهِ بعد، لا يُحسم فيها بشكل قاطع من هو المنتصر ومن هو الخاسر، بل ما تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد والاحتواء في آنٍ واحد.
انتهى