قراءة مقارنة في مفاهيم النصر العسكري بين الفكر الغربي والواقع الإيراني المعاصر

Oplus_0

​بقلم: الكاتب حسين شكران العقيلي
​تظل إشكالية تعريف النصر في الفكر العسكري واحدة من أكثر القضايا جدلية في تاريخ العلاقات الدولية والدراسات الإستراتيجية. فمنذ ظهور التنظيرات العسكرية الكبرى، كان النصر يُفهم بوصفه محصلة نهائية للغلبة المادية وتحطيم القوة العسكرية للخصم. إلا أن التحولات الجيوسياسية المعاصرة، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، فرضت واقعاً جديداً استدعى إعادة النظر في هذه المفاهيم التقليدية. وتبرز المواجهة المستمرة بين الجمهورية الإسلامية في إيران والتحالف الصهيو-أمريكي كنموذج تطبيقي مثالي لدراسة التباين الجوهري بين مدرستين في التفكير الإستراتيجي: المدرسة الغربية التي تعتمد على المادية التكنولوجية والحسم الخاطف، والمدرسة الإيرانية المعاصرة التي تتبنى إستراتيجية الصمود الفاعل والنصر المستدام عبر استنزاف إرادة الخصم.
​إن الجذور الفلسفية لمفهوم النصر في الفكر الغربي تمتد لتشمل نظريات كارل فون كلاوزفيتز وجوليو دوهيه، وصولاً إلى عقائد الحروب التكنولوجية الحديثة. هذا الفكر ينظر إلى الحرب بوصفها عملية حسابية تعتمد على التفوق الجوي المطلق، والقدرة التدميرية الهائلة، واستخدام الذكاء الاصطناعي والأسلحة الذكية لتحقيق شلل تام في بنية العدو خلال وقت قياسي. بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، فإن النصر يعني الوصول إلى نقطة الانهيار السياسي للطرف الآخر، وإجباره على التوقيع على شروط الإذعان، أو تغيير النظام السياسي بالكامل. إنها مقاربة “النصر المادي” الذي يرى في تدمير المنشآت واغتيال القادة وتحطيم البنية التحتية غاية بحد ذاتها، دون إدراك عميق للأبعاد الثقافية والعقائدية التي قد تُحول الهزيمة العسكرية الميدانية إلى وقود لصمود إستراتيجي أطول أمداً.
​في المقابل، قدم الواقع الإيراني المعاصر إجابة مغايرة تماماً لتحديات المواجهة غير المتكافئة. فإيران، التي واجهت لعقود أعتى نظام عقوبات في التاريخ الحديث وضغوطاً عسكرية وسياسية هائلة من التحالف الصهيو-أمريكي، لم تنجرف نحو الصدام العسكري التقليدي الذي يخدم مصلحة الخصم المتفوق تقنياً. بدلاً من ذلك، طورت طهران فلسفة “النصر بالصمود”، وهي إستراتيجية تقوم على مبدأ أن منع العدو من تحقيق أهدافه هو في حد ذاته انتصار كامل. فإذا كانت الغاية الأمريكية الصهيونية هي عزل إيران، وتفكيك برنامجها الدفاعي، وتقويض نفوذها الإقليمي، فإن بقاء إيران كقوة فاعلة ومؤثرة، وتطويرها لترسانة صاروخية ومسيرة ذاتية الصنع، يمثل فشلاً ذريعاً لمفاهيم القوة الغربية.
​إن الصمود الإيراني في وجه التحالف الصهيو-أمريكي يرتكز على ركيزة “الاستقلال الإستراتيجي”. ففي الوقت الذي تعتمد فيه الكثير من دول المنطقة على المظلة الأمنية الغربية، استطاعت إيران بناء منظومة دفاعية متكاملة تعتمد على العقل الوطني والإنتاج المحلي. هذا التحول من الاستيراد إلى الابتكار لم يكن مجرد ضرورة تقنية، بل كان فعلاً سياسياً يؤكد على قدرة الإرادة الوطنية على كسر الاحتكار التكنولوجي العالمي. إن النجاح في تجاوز الحصار الخانق وتحويل التهديدات العسكرية المباشرة إلى فرص لتطوير الردع الصاروخي قد سحب البساط من تحت أقدام المخططين العسكريين في واشنطن وتل أبيب، الذين وجدوا أنفسهم أمام عدو لا يمكن هزيمته بالوسائل التقليدية، لأن مراكز ثقله لا تكمن فقط في القواعد العسكرية، بل في العمق العقائدي والتلاحم الشعبي حول مشروع المقاومة.
​علاوة على ذلك، يبرز التباين في مفهوم “إدارة الوقت” بين الطرفين. فالفكر الغربي محكوم بالديمقراطيات الانتخابية وحسابات الرأي العام التي لا تتحمل الحروب الطويلة والمكلفة بشرياً ومادياً، مما يجعله يبحث دوماً عن انتصارات سريعة واستعراضية. أما الواقع الإيراني، فهو يمارس “النفس الطويل” في الصراع، حيث تُدار المعركة على عقود لا على أيام. هذا الصمود الزمني أدى إلى استنزاف هيبة القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة، وأثبت أن التفوق في “التقنية” لا يعني بالضرورة التفوق في “الإرادة”. إن تحطيم هيبة الردع الصهيوني في أكثر من مواجهة، وتآكل القدرة الأمريكية على فرض إرادتها السياسية في الإقليم، هما المؤشران الحقيقيان على انتصار الرؤية الإيرانية القائمة على الصبر الإستراتيجي والمواجهة الذكية.
​إن القراءة المقارنة توضح أيضاً أن مفهوم النصر عند إيران يرتبط بـ “بناء البدائل”. فبينما كان التحالف الصهيو-أمريكي يراهن على انهيار الاقتصاد الإيراني كمدخل للسقوط السياسي، كانت إيران تؤسس لشراكات دولية جديدة وتصيغ نظاماً إقليمياً موازياً يرفض الهيمنة القطبية الواحدة. هذا الالتفاف الإستراتيجي حول أدوات القوة الغربية يمثل أرقى أنواع النصر العسكري والسياسي؛ لأنه ينقل الصراع من ميدان الرصاص إلى ميدان السيادة والنفوذ الجيوسياسي. لقد استطاعت إيران، عبر تفعيل دبلوماسية القوة وقوة الدبلوماسية، أن تفرض نفسها كرقيم لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية إقليمية أو دولية، وهو ما يمثل الهزيمة الكبرى للمشروع الصهيوني الذي كان يطمح لتصفية القضية الفلسطينية وعزل إيران تماماً.
​ختاماً، يمكن القول إن النصر الإيراني المعاصر هو نصر “النموذج” على “الآلة”. فالفكر العسكري الغربي، برغم جبروته المادي، أثبت عجزه أمام شعب وقيادة يمتلكان رؤية تاريخية للصراع ويؤمنان بحتمية الانتصار الأخلاقي والسياسي. إن الصمود الأسطوري في وجه التحالف الصهيو-أمريكي لم يعد مجرد قصة نجاح لدولة في الدفاع عن نفسها، بل تحول إلى مدرسة عالمية تدرسها مراكز الأبحاث الأكاديمية لفهم كيف يمكن للدول الطامحة للسيادة أن تنتصر في عالم تحكمه القوى الكبرى. إن بقاء إيران صلبة، مقتدرة، ومبادرة، هو الدليل القاطع على أن مفاهيم النصر قد تغيرت، وأن الغلبة في نهاية المطاف هي لمن يمتلك الحق، والقدرة على حمايته، وإرادة الصمود التي لا تلين.