لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي . المانيا
تعد المهمة الملقاة على عاتق علي الزيدي لتشكيل حكومة عراقية جديدة مليئة بالتعقيدات ، فهي ليست مجرد عملية اختيار حقائب وزارية وتوزيع حصص، بل هي محاولة لترميم بنية دولة ترزح تحت ارث ثقيل من التراكمات . ان التحديات التي تواجهه تتشعب لتغطي مساحات واسعة تبدأ من عمق الزواريب السياسية الداخلية ولا تنتهي عند تقاطعات المصالح الدولية الكبرى التي تجعل من العراق ساحة لتصفية الحسابات او توازن القوی، على المستوى المحلي، يجد الزيدي نفسه امام جدار سميك من العقبات التي تتطلب نفسا طويلا وحنكة استثنائية، ويمكن اجمال هذه التحديات في النقاط التالية:معضلة المحاصصة والارضاءات السياسية: يواجه الزيدي نظاما سياسيا تجذر فيه مفهوم المحاصصة الطائفية والحزبية، حيث ترى الكتل السياسية ان استحقاقها الانتخابي او نفوذها الواقعي يمنحها الحق في وضع يدها على مفاصل حيوية في الدولة. ان محاولة القفز فوق هذه المعادلة قد تؤدي الى سحب الثقة عنه قبل ان يبدأ، بينما الرضوخ لها يعني استنساخ الفشل السابق وانتاج حكومة ضعيفة ومكبلة بالولاءات الحزبية الضيقة. هنا يقف الشارع العراقي اليوم في حالة من الترقب المشوب بالتشكيك، اذ ان الفجوة بين السلطة والمواطن اتسعت الى حد كبير نتيجة الاخفاقات المتراكمة في ملفات الخدمات والفساد. الزيدي مطالب بتقديم (عربون ثقة ) سريع وملموس، وهو امر صعب في ظل ميزانية منهكة وجهاز اداري يعاني من الترهل والفساد البنيوي. اما عن السيادة الداخلية ە سيطرتها علی الميلشيات . هناک ا؛لعديد من مراكز القوى المسلحة يمثل التحدي الامني والاكثر حساسية، اذ ان فرض هيبة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية يتطلب مواجهة مباشرة مع قوى تمتلك تمثيلا برلمانيا وعمقا ميدانيا، وهو توازن دقيق يخشى الجميع ان يختل فتنزلق البلاد نحو فوضى لا يحمد عقباها. اما علی صعيد الخارجي ان مسالة الموازنة فوق حبال النفوذ فان العراق ليس جزيرة معزولة، بل هو قلب الشرق الاوسط النابض بالتجاذبات، مما يضع الزيدي امام اختبارات دبلوماسية قاسية، هناک التجاذب الاقليمي (المحور الايراني – العربي): يقع الزيدي في برزخ الصراع الازلي بين النفوذ الايراني الطاغي في الداخل العراقي وبين الرغبة في الانفتاح على المحيط العربي والخليجي. ان الحفاظ على علاقة متوازنة تحترم السيادة العراقية دون استعداء طهران، وفي الوقت ذاته تعيد العراق الى حضنه العربي كلاعب فاعل ومستقر، هي عملية جراحية دبلوماسية معقدة للغاية.العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب: تظل قضية الوجود العسكري الاجنبي والتعاون الامني والاقتصادي مع واشنطن ورقة ضغط كبرى. الزيدي ملزم بالتعامل مع المطالبات السياسية الداخلية برحيل القوات الاجنبية، مع ادراكه العميق لحاجة العراق الى الدعم التقني والغطاء الدولي والحماية من العقوبات او العزلة الاقتصادية. بالاضافة الی ذلک يواجه العراق تحديات وجودية تتعلق بالامن المائي والكهرباء، وهي ملفات مرتبطة بتركيا وايران بشكل مباشر. ان التفاوض مع دول الجوار لانتزاع حصص مائية عادلة وتأمين استمرارية الطاقة يتطلب خطابا خارجيا قويا وموحدا، وهو ما يفتقده العراق غالبا بسبب تشتت القرار السياسي الداخلي.ان طريق علي الزيدي نحو تشكيل الحكومة ليس مفروشا بالورود، بل هو مسار ملغم بالتناقضات. فبينما يطالب الداخل بالاصلاح والخدمات والسيادة، تضغط القوى الخارجية لتثبيت نفوذها وضمان مصالحها. ان نجاحه مرهون بقدرته على اجتراح معادلة سحرية توائم بين الممكن السياسي والطموح الوطني، في بيئة لا تقبل الحلول الوسطى بسهولة، وتتحين فيها الخصوم الفرص للانقضاض على اي تعثر قد يطرأ في بداية المشوار.