رياض سعد
في الدول التي تحترم مواطنيها، لا يُنظر إلى الرواتب بوصفها أرقاماً تُدرج في جداول الموازنة العامة فحسب، بل باعتبارها عقداً أخلاقياً واجتماعياً بين الدولة ومواطنيها؛ عقداً يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم، ويكافئ الجهد والكفاءة، ويحفظ كرامة الإنسان بعد سنوات الخدمة والعمل… ؛ أما في العراق، فقد تحول ملف الرواتب إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للشعور بالغبن والتمييز، حتى بات الموظف والعامل والمتقاعد يتساءلون: بأي معيار توزع الدولة حقوق مواطنيها؟
لقد كشفت السنوات الماضية عن اختلالات عميقة في بنية النظام الوظيفي العراقي… ؛ فرواتب موظفين يشغلون درجات وظيفية متقاربة تختلف بشكل صارخ تبعاً للمؤسسة التي يعملون فيها، لا تبعاً للكفاءة أو حجم المسؤولية أو طبيعة العمل.
وفي الوقت الذي يتمتع فيه بعض العاملين في مؤسسات معينة بمخصصات وامتيازات استثنائية، يرزح موظفون آخرون تحت وطأة رواتب لا تكفي لتأمين أبسط متطلبات الحياة.
وتزداد خطورة هذه المفارقة مع عودة ملف خط الفقر إلى الواجهة، بعد تصريحات بعض المسؤولين العراقيين التي أشارت إلى أن الأسرة التي يقل دخلها الشهري عن سبعمائة ألف دينار عراقي تُعد ضمن فئة الفقراء… ؛ بل إن كثيراً من المختصين يرون أن هذا الرقم لا يعكس بصورة دقيقة الارتفاع الحقيقي في تكاليف المعيشة والإيجارات والتعليم والعلاج والنقل والغذاء، ما يعني أن شريحة واسعة من أصحاب الدخل المحدود تعيش فعلياً على حافة الفقر أو داخله، رغم أنها تعمل في مؤسسات الدولة.
إن استمرار هذا الواقع لا يهدد العدالة الاجتماعية فحسب، بل يهدد الاستقرار المجتمعي ذاته… ؛ فالدولة التي لا تضمن لموظفها وعاملها ومتقاعدها حياة كريمة، تفتح أبواب الإحباط والهجرة والفساد والاحتقان الاجتماعي، وتُضعف ثقة المواطن بمؤسساتها وبفكرة المواطنة المتساوية.
ومن هنا، فإن معالجة أزمة الرواتب في العراق لم تعد خياراً سياسياً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية ملحة تتطلب شجاعة تشريعية ورؤية اقتصادية بعيدة المدى، يمكن تلخيصها في الخطوات الآتية:
أولاً: إقرار قانون سلم الرواتب الموحد الجديد.
ينبغي تشريع سلم رواتب وطني موحد يُنهي حالة التشظي والتمييز بين مؤسسات الدولة، ويعتمد معايير واضحة تقوم على المؤهل العلمي، وسنوات الخدمة، وطبيعة العمل، وحجم المسؤولية، بعيداً عن نفوذ المؤسسة أو قدرتها على انتزاع الامتيازات… ؛ كما يجب رفع الحد الأدنى للرواتب بما ينسجم مع الواقع المعيشي وخط الفقر المعتمد، بحيث لا يقل دخل الموظف والعامل عن مستوى يضمن حياة كريمة تحفظ كرامته وكرامة أسرته.
ثانياً: ربط الرواتب بمؤشرات التضخم وخط الفقر.
فلا يعقل أن تبقى الرواتب جامدة لسنوات طويلة في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية… ؛ ومن الضروري اعتماد آلية قانونية تراجع الرواتب دورياً وفق معدلات التضخم الرسمية وتغيرات تكاليف المعيشة، بما يحافظ على القيمة الحقيقية للدخل.
ثالثاً: توحيد النظام التقاعدي وإلغاء الامتيازات الاستثنائية.
لا يمكن الحديث عن العدالة بينما يستمر تعدد الصناديق التقاعدية وتفاوت الامتيازات بين المواطنين… ؛ المطلوب دمج جميع الأنظمة التقاعدية، بما فيها تقاعد الرئاسات والبرلمان والدرجات الخاصة، ضمن قانون تقاعد موحد يقوم على قاعدة بسيطة وعادلة: الراتب التقاعدي يُبنى على سنوات الخدمة الفعلية والتوقيفات التقاعدية المستقطعة، لا على المنصب السياسي أو النفوذ.
رابعاً: حماية عمال القطاع الخاص والخدمي.
فالعامل الذي يقضي يومه في الشارع أو في مواقع العمل لا ينبغي أن يكون أقل حماية من الموظف الحكومي… ؛ ومن هنا، فإن مأسسة الحد الأدنى للأجور وتفعيله فعلياً عبر لجان رقابية تابعة لوزارة العمل، مع شمول العاملين بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، تمثل خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة الاقتصادية.
خامساً: تنظيم العمالة الأجنبية وحماية الكفاءات العراقية.
إن الانفتاح الاقتصادي لا يعني إقصاء الخبرات الوطنية… ؛ لذلك ينبغي فرض نسب تشغيل إلزامية للكفاءات العراقية في الشركات النفطية والاستثمارية، لا تقل عن 80 في المئة بحسب طبيعة القطاع، مع إخضاع الرواتب المرتفعة للعمالة الأجنبية إلى نظام ضريبي عادل يحقق التوازن ويحمي سوق العمل المحلي، من دون الإضرار بجاذبية الاستثمار.
سادساً: إعادة هيكلة الإنفاق العام.
فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق عبر زيادة الرواتب فقط، بل من خلال مكافحة الهدر والفساد وترشيد الامتيازات غير المبررة، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية التي تخلق فرص العمل وتقلل الاعتماد شبه المطلق على النفط بوصفه المصدر الوحيد لتمويل الدولة.
إن توحيد سلم الرواتب ليس معركة مالية بين رابح وخاسر، بل هو اختبار حقيقي لمدى إيمان الدولة بمبدأ المساواة بين مواطنيها… ؛ فحين يشعر المواطن بأن حقوقه مصانة، وأن أجره يتناسب مع جهده، وأن مستقبله التقاعدي لا تحدده الامتيازات السياسية بل سنوات عطائه، تتعزز الثقة بالدولة ويترسخ السلم الأهلي.
أما استمرار الفوارق الصارخة والامتيازات غير المبررة، فلن ينتج سوى مجتمع تتسع فيه الهوة بين فئاته، ويزداد فيه الشعور بالظلم والتهميش… ؛ فالدول لا تُقاس بحجم موازناتها، بل بقدرتها على تحويل الثروة إلى عدالة، والإيرادات إلى كرامة، والوظيفة العامة إلى وسيلة للعيش الكريم لا إلى مرآة للتمييز.
إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الترقيعات المؤقتة، بل إلى ثورة تشريعية هادئة تعيد الاعتبار لقيمة العمل، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد عنوانه: أجر عادل، وتقاعد منصف، ومواطنة لا تعرف الامتيازات.