الجامعات تدخل المعركة… 900 موقع يهزّون رواية النظام

سعيد عابد
لم تكن العملية التي استهدفت الصفحات الرئيسية لـ900 موقع تابع لـ12 جامعة إيرانية مجرد حدث رقمي عابر، بل كانت رسالة سياسية من داخل المكان الذي يخشاه نظام ولاية الفقيه أكثر من غيره: الجامعة. ففي اللحظة التي كان فيها النظام يحاول تحويل دفن جثة خامنئي إلى استعراض للقوة والوحدة، جاءت الضربة من الفضاء الجامعي لتقول إن الأجيال الجديدة لم تخضع، وإن الجامعات لم تتحول إلى ثكنات صامتة كما أراد الحرس والباسيج.
أهمية هذه العملية لا تقاس بعدد المواقع وحده، رغم أن الرقم كبير بحد ذاته. فاستبدال صفحات 900 موقع جامعي برسائل وصور مرتبطة بالمقاومة الإيرانية يعني أن الحضور المعارض داخل الجامعات لم يعد مجرد حالة غضب مبعثرة، بل أصبح فعلاً منظماً قادراً على الظهور في توقيت سياسي بالغ الحساسية. والنظام الذي أراد أن يقدّم جنازة خامنئي بوصفها دليلاً على السيطرة، وجد أن مؤسساته الأكاديمية نفسها تتحول إلى منصة لكسر هذه الرواية.
لقد حاولت السلطة طوال السنوات الماضية إخضاع الجامعات عبر لجان الانضباط، والفصل، والاعتقال، والرقابة الأمنية، وحضور الباسيج داخل الحرم الجامعي. لكن ما حدث يكشف أن القمع لم يقتل الجذر السياسي داخل الجامعة، بل دفعه إلى أشكال أكثر تنظيماً وذكاءً. فالطلاب المؤيدون لمجاهدي خلق، كما ظهر في الرسائل المنشورة، لم يكتفوا برفض النظام، بل ربطوا هذا الرفض بمشروع سياسي واضح يقوم على كسر الحلقة المغلقة بين ديكتاتورية الشاه واستبداد الملالي.
وهنا تكمن الدلالة الأعمق. فالنظام يحاول دائماً تصوير مجاهدي خلق وكأنهم قوة خارجية بعيدة عن الداخل، لكن ظهور شعاراتهم وصور قيادتهم على مواقع جامعية داخل إيران يضرب هذه الدعاية في الصميم. فالجامعة ليست في المنفى، والطلاب ليسوا خارج المجتمع، والرسالة لم تصدر من فضاء معزول. إنها تأتي من جيل يعيش تحت القمع، ويعرف أن مستقبل إيران لا يصنعه الورثة ولا الحرس الثوري، بل الشعب والمقاومة المنظمة.
كما أن تزامن العملية مع جنازة خامنئي يمنحها بعداً إضافياً. فبينما كان النظام يطوف بالجثة ليقول إن خامنئي ما زال حاضراً في بنية الحكم، جاءت الجامعات لتقول إن المستقبل لا يسير خلف النعش. وبينما أراد الإعلام الرسمي الحديث عن الحشود والولاء، فرض الطلبة عنواناً آخر: أن الخوف يتراجع، وأن التنظيم يتقدم، وأن الفضاء الرقمي صار امتداداً للشارع لا بديلاً عنه.
هذه العملية تلتقي أيضاً مع بث شعار «لعنة على خامنئي… تحية لرجوي» في مشهد، ومع نشاطات وحدات المقاومة في مدن مختلفة. أي أننا لسنا أمام حادث منفصل، بل أمام مثلث مواجهة: الشارع، الجامعة، والفضاء الرقمي. وهذا ما يجعل النظام أكثر قلقاً؛ لأنه يواجه مقاومة لا تظهر في مكان واحد فقط، بل تتوزع وتتصل وتختار لحظاتها بعناية.
لقد أراد النظام دفن خامنئي ليغلق مرحلة، فإذا بالجامعات تفتح سؤال المرحلة المقبلة. فمن يملك المستقبل: سلطة تحرس جثة زعيمها، أم جيل جامعي يعلن أن إيران الجديدة لن تكون لا للشاه ولا للملالي؟ الجواب بدأ يظهر من قلب الجامعات نفسها.