رياض سعد
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، ظلّت أزمة السكن واحدة من أكثر الملفات التي كشفت اختلال العلاقة بين المواطن والدولة… ؛ غير أن المشكلة لا تكمن في وجود التجاوزات العمرانية وحدها، ولا في ضرورة تنظيم المدن وحماية أملاك الدولة، بل في الطريقة التي عولجت بها هذه الظاهرة، وفي السؤال الأكثر إلحاحاً: هل وظيفة الدولة أن تعالج أزمة السكن أم أن تعاقب ضحاياها بعد أن تركتهم سنوات طويلة بلا بدائل؟!
لقد أدت سياسات الإسكان غير الكافية، ولا سيما بعد عام 2003، إلى اتساع سوق غير رسمي للأراضي الزراعية وأراضي الدولة، واستغلّت شبكات نافذة حاجة المواطنين إلى السكن، فدفع كثير منهم مدخرات أعمارهم ثم بنوا بيوتهم بأنفسهم، ومدّوا إليها الماء والكهرباء والمجاري، وحوّلوا الأراضي القاحلة إلى أحياء مأهولة. وهذه الصورة، كما يعرضها النص الأصلي، تكشف أن أزمة السكن لم تكن نتيجة قرار فردي معزول، بل نتيجة تراكم طويل من فشل السياسات العامة وغياب البدائل الكافية.
# من يشتري الوهم ثم يدفع ثمنه؟
المواطن الذي يلجأ إلى شراء قطعة أرض زراعية أو أرض غير منظمة لا يفعل ذلك، في كثير من الحالات، بحثاً عن الرفاهية؛ وإنما بحثاً عن سقف يحمي عائلته… ؛ يستدين، ويبيع ما يملك، ويضع ما تبقى من راتبه ومدخراته في جدران أربعة، ثم يبدأ مع جيرانه بإنشاء أبسط مقومات الحياة.
وبمرور السنوات تتحول الأرض إلى حيّ سكني حقيقي: بيوت، وأطفال، ومدارس، ومحال، وشوارع، وشبكات ماء وكهرباء… ؛ وهنا لا يعود البيت مجرد بناء مخالف على الورق؛ بل يصبح **واقعاً اجتماعياً وإنسانياً** تشكلت حوله حياة كاملة.
المفارقة أن الدولة التي عجزت عن توفير السكن الملائم، أو تركت المواطن يشتري الأرض من أسواق غير رسمية، قد تعود بعد سنوات لتتعامل مع النتيجة وكأنها المشكلة الوحيدة، فتضع المواطن أمام الجرافة، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بمن باع الأرض، ومن سمح بالبناء، ومن استفاد من الفوضى، ومن تقاضى الأموال، معلقة بلا جواب.
وهنا تبدأ الحلقة الأكثر قسوة: حرمان من السكن، ثم اضطرار إلى التجاوز، ثم بناء البيت، ثم الهدم، ثم تحميل المواطن وحده مسؤولية أزمة لم يصنعها بمفرده.
# عندما تصبح الجرافة هي الحل
لا أحد يستطيع أن ينكر حق الدولة في تنظيم المدن وحماية الأراضي العامة وتطبيق القانون… ؛ لكن دولة القانون لا تعني تطبيق القانون بطريقة عمياء، ولا تعني أن يصبح المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة الفساد.
فإذا كان البناء مخالفاً، فإن السؤال الأخلاقي والسياسي لا ينبغي أن يكون: كيف نهدمه بأسرع وقت؟ بل: كيف نُطبّق القانون من دون تحويل أسرة فقيرة إلى ضحية جديدة؟
إن الهدم من دون بديل سكني أو تعويض عادل قد يحوّل المخالفة العمرانية إلى كارثة اجتماعية… ؛ ولذلك فإن أي معالجة مسؤولة ينبغي أن تميّز بين المتاجرين بالأراضي، وشبكات الفساد، والمتنفذين، وبين الأسرة التي أنفقت مدخراتها على بيت لا تملك غيره.
فالعدالة لا تكون في معاقبة الجميع بالطريقة نفسها، وإنما في تحديد المسؤوليات ومحاسبة من صنع السوق غير القانوني، قبل الوصول إلى المواطن الذي اشترى وبنى وسكن.
# من يحاسب مافيات الأراضي؟
المشكلة الأكثر خطورة ليست في المواطن الذي بنى بيتاً؛ وإنما في السوق الذي جعل المواطن يشتري الأرض أصلاً .
إذا كانت هناك شبكات تتاجر بأراضي الدولة أو الأراضي الزراعية، وإذا كان هناك من يبيع القطع ويأخذ الأموال من الناس، وإذا كانت هناك جهات تعلم بما يجري ثم تصمت أو تستفيد، فإن هدم البيوت وحده لا يعالج المشكلة.
بل قد يصبح الهدم، من دون ملاحقة الشبكات التي صنعت الأزمة، شكلاً من أشكال معاقبة النتيجة وترك السبب حراً.
ولهذا ينبغي أن تتجه الدولة إلى الرؤوس التي تقف خلف تجارة الأراضي، وإلى الوسطاء والسماسرة والمتنفذين والمسؤولين المتورطين، لا إلى العائلة التي وجدت نفسها في نهاية السلسلة أمام جرافة ضخمة.
# هل أصبح هدم البيت استعراضاً للقوة؟
الأشد إيلاماً من صوت الجرافة هو أحياناً **الصورة التي تأتي بعدها**.
ففي بعض المشاهد التي يتداولها الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتحول عملية الهدم إلى مادة تصوير واستعراض؛ تُظهر الآليات وهي تقتلع الجدران، ويظهر المسؤولون أمام الكاميرات، وترافق بعض المقاطع أغانٍ أو أناشيد حماسية، وكأن العملية انتصار عسكري على خصم، لا إجراء إداري يمس حياة عائلة.
وهنا ينبغي التوقف طويلاً.
إن تطبيق القانون لا يحتاج إلى أهازيج انتصار، ولا إلى استعراض للقوة، ولا إلى تصوير دموع الأطفال وانهيار البيوت وكأنها مشاهد بطولة… ؛ فالهيبة الحقيقية للدولة لا تقاس بحجم الجرافة، وإنما بقدرتها على **حماية القانون والإنسان في الوقت نفسه**.
وتشير المادة الأصلية إلى أن تحويل الهدم إلى مادة إعلامية استعراضية قد ينقل المشهد من مجرد إجراء قانوني إلى رسالة نفسية واجتماعية قاسية للضحايا.
# سيكولوجيا الجرافة
للبيت مكانة تتجاوز الطابوق والإسمنت.. , إنه المكان الذي يشعر فيه الإنسان بالأمان، والذي يختزن ذاكرة الأسرة وطفولة الأبناء وخصوصية الحياة اليومية.
ولهذا فإن اقتحام هذا الأمان وهدمه بصورة مفاجئة يمكن أن يترك آثاراً نفسية عميقة، خصوصاً لدى الأطفال والنساء، وقد يولد مشاعر الخوف والعجز وفقدان الثقة بالمستقبل… ؛ كما أن الأب الذي يرى بيته ينهار أمام أسرته قد يشعر بأنه فقد القدرة على حماية عائلته، وهو إحساس بالغ القسوة على المستوى النفسي والاجتماعي.
لكن الأخطر هو أن يتحول الألم الإنساني إلى **مادة للفرجة والضحك والتنمر والاستهزاء**.
فحين يرى الضحية أن انهيار بيته يتحول إلى مشهد احتفالي، فإنه لا يشعر فقط بأنه فقد مسكنه؛ بل قد يشعر بأنه فقد أيضاً الاعتراف بإنسانيته وحقه في الحزن.
وهنا تتحول الجرافة من آلة لهدم الجدران إلى رمز لعلاقة مختلة بين السلطة والمواطن… ؛ بل بين الوطن والمواطن .
# بين القانون والتشفّي
ليس من العدل أن نصف كل عملية إزالة تجاوز بأنها تشفٍّ، كما ليس من الإنصاف أن نعتبر كل مواطن يسكن أرضاً زراعية ضحية بريئة في جميع الحالات… ؛ فهناك قوانين وأملاك عامة واعتبارات تخطيط عمراني يجب احترامها.
لكن القانون نفسه ينبغي أن يُطبَّق **بإنسانية ومساواة**.
فإذا كان المواطن المخالف يُهدم بيته من دون تعويض أو بديل، بينما يستطيع أصحاب النفوذ حماية مصالحهم وتسوية أوضاعهم عبر العلاقات السياسية والإدارية، فإن المشكلة لم تعد مشكلة تجاوز عمراني فحسب، وإنما مشكلة **عدم مساواة أمام القانون**.
والسؤال هنا ليس طائفياً بقدر ما هو سؤال مواطنة: هل يتمتع جميع العراقيين بالحق نفسه في السكن والخدمات والأرض والفرصة؟
وهل تُطبق إجراءات الإزالة والتسوية على الجميع بالمعايير ذاتها، بصرف النظر عن المذهب والقومية والمنطقة والانتماء السياسي؟
هذه هي النقطة التي ينبغي إثارتها بوضوح، لأن تحويل القضية إلى صراع بين مكونات عراقية قد يحجب أصل المشكلة ويمنح الفاسدين فرصة جديدة للإفلات من المساءلة.
# من حق المواطن إلى حق السكن
إن الحق في السكن ليس ترفاً… , والبيت ليس مجرد مساحة عمرانية يمكن حذفها من خارطة البلد بضغطة قرار.
صحيح أن الدولة لا تستطيع أن تمنح كل مواطن أرضاً بلا ضوابط، لكن من واجبها أن تضع سياسة إسكان واقعية تستجيب لحاجات السكان، وأن توفر البدائل للفئات محدودة الدخل، وأن تمنع استغلال حاجتهم من قبل تجار الأراضي.
ولهذا فإن معالجة ملف العشوائيات والأراضي الزراعية ينبغي أن تقوم على أربعة مسارات متوازية:
أولاً: التمييز بين المواطن المحتاج وشبكات المتاجرة بالأراضي.
ثانياً: فتح تحقيقات حقيقية في الجهات التي باعت الأراضي أو سمحت بالتجاوز أو استفادت منه.
ثالثاً: تسوية أوضاع الأحياء التي تحولت فعلياً إلى مجتمعات سكنية، متى كان ذلك ممكناً من الناحية القانونية والتخطيطية.
رابعاً: عدم هدم مساكن مأهولة من دون توفير بديل مناسب أو تعويض عادل، مع مراعاة الحالات الإنسانية والقدرة الاقتصادية للأسر.
وهذه ليست دعوة إلى الفوضى أو إلى إلغاء القانون؛ بل هي دعوة إلى قانون أكثر عدلاً وإنسانية.
# العراق الذي نريده
لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية الجرافة وحدها.
الدولة القوية ليست التي تستطيع هدم بيت في دقائق؛ فهذا تستطيع فعله أي آلة… ؛ الدولة القوية هي التي تستطيع أن تمنع المواطن من الوقوع أصلاً في سوق الأراضي غير القانونية، وأن تحاسب من يتاجر بأملاك الدولة، وأن توفر السكن لمن لا يستطيع شراءه، وأن تطبق القانون على الغني والفقير بالمعيار نفسه.
والأهم من ذلك كله أن تتوقف عن تحويل الخراب إلى مشهد احتفالي.
فالبيت الذي ينهدم ليس جداراً فقط. وراءه عائلة، وذكريات، وأطفال، ومدخرات، وكرامة، وحلم بحياة أكثر أمناً.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس: كم بيتاً هدمنا اليوم؟
بل: كم بيتاً بنينا؟ وكم عائلة أنقذنا من الفقر؟ وكم مافيا أراضٍ حاسبنا؟ وكم مواطناً استطعنا أن نجعل القانون بالنسبة إليه حمايةً لا خوفاً؟
فإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تقدم للإنسان بديلاً عن بيته، فعليها على الأقل ألا تجعل من هدمه احتفالاً بالقوة.
الوطن لا يُبنى بالركام، وهيبة الدولة لا تُقاس بعدد البيوت التي تهدمها الجرافات، وإنما بعدد المواطنين الذين يشعرون أن لهم مكاناً محفوظاً فيه.