تكرار سيناريو انهيار بنوك ومصارف لبنان في العراق ؟ كيف خضع لأحزاب السلطة ومافيات تهريب الدولار؟

صباح البغدادي

في مسرحية مأساوية تتكرر مشاهدها بلا خجل أو قطرة حياء ، يواصل الفساد المُمنهج تقويض أسس الاقتصاد في كل من العراق ولبنان، حيث تُسحق العملتين الوطنيتين تحت وطأة مافيات السوق السوداء ونخب سياسية طائفية تتحكم بمصير الشعبين. هذا الانهيار ليس وليد الصدفة، بل نتاج سياسات متعمدة، تُدار بعناية لتُخصب جيوب قلة من النافذين، بينما يغرق المواطن العادي في دوامة من الفقر، اليأس، والجوع وفقدان الأمل بمستقبل أفضل.

في لبنان، كانت الليرة اللبنانية رمزاً لاستقرار زائف لعقود، مثبتة عند سعر 1520 ليرة للدولار. لكن هذا الاستقرار الوهمي بدأ يتداعى في خريف 2019، عندما انزلقت العملة إلى 2000 ليرة للدولار. بحلول يناير 2020، وصلت إلى 2300 ليرة، ثم تسارع الانهيار لتسجل 8500 ليرة في يناير 2021، و30 ألف ليرة في يناير 2022، و60 ألف ليرة في يناير 2023، حتى بلغت ذروة مروعة عند 100 ألف ليرة للدولار في مارس 2023. هذا السقوط الحر لم يكن نتيجة ظروف اقتصادية طبيعية، بل جريمة مُنظمة صُنعت في أروقة المصرف المركزي اللبناني تحت إدارة حاكمه السابق (رياض سلامة) والذي يُلاحق اليوم من العدالة الدولية بتهم الاختلاس وغسيل الأموال، قاد سياسات مالية كارثية حولت السوق السوداء إلى دولة موازية. هذه السوق، التي يهيمن عليها سماسرة مرتبطون بشكل مباشر أو غير مباشر بأحزاب سياسية طائفية، أصبحت تتحكم بمصير العملة والمواطنين على حد سواء. الأسعار المتعددة لليرة، التي تتغير يومياً حسب مزاج السماسرة، حولت حياة اللبنانيين إلى كابوس، حيث فقد المواطن العادي قدرته على التخطيط لأبسط احتياجاته اليومية. والسلطات؟ تقف عاجزة، أو ربما متواطئة، بينما تُدمر ثروات البلاد أمام أعينها.

وعلى الضفة الأخرى، يعيش العراق حاليا نسخة طبق الأصل من هذه المأساة. ونهب الدينار تحت راية النفط ورغم اعتماده شبه الكلي على عائدات النفط، يعاني الدينار العراقي من تدهور مُمنهج. السعر الرسمي للدولار، المحدد عند 1320 ديناراً، يُقابل بسعر السوق السوداء الذي يتراوح بين 1450 و1500 دينار وحتى أكثر في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة . وهذا الفرق، الذي يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، يُترجم إلى مليارات الدولارات التي تُنهب سنوياً من خزينة الدولة. كيف؟ من خلال مزادات العملة التي يديرها البنك المركزي العراقي، حيث تشتري المصارف الأهلية ومكاتب الصرافة الدولار بالسعر الرسمي والذي أصبح معظمه مرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة وفي الخفاء بقادة الأحزاب الحاكمة ، ولتعيد بيعه في السوق السوداء بأرباح طائلة تذهب إلى جيوب الفاسدين.وهذا النهب المُنظم لا يقتصر على السوق المحلية. الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على 18 مصرفاً عراقياً، كشفت أن هذه المصارف تحولت إلى قنوات رئيسية لتهريب الدولار إلى إيران وسوريا ولبنان، مُغذية بذلك أجندات إقليمية على حساب الاقتصاد العراقي. تحذيرات واشنطن المتكررة لم تلقَ آذاناً صاغية، إذ تواصل الحكومة العراقية إدارتها الفاشلة لأزمة العملة، بينما تُمعن مافيات الفساد في استنزاف ثروات البلاد.

وفي قلب هذه الفوضى، يبرز اسم محافظ البنك المركزي العراقي السابق والحالي، كرمز للفشل الإداري والفساد المُستشري. وحتى بعد إقالته في 2020 بسبب تورطه في فضائح مالية وإدارية، أُعيد تكليفه في منصبه عام 2022 في قرار أثار غضب الشارع العراقي. هذا الشخص ، الذي ارتبط اسمه بحادثة “تلف” 7 مليارات دينار عام 2018 بسبب “تسرب مياه الأمطار” إلى خزائن البنك المركزي، يُجسد العشوائية التي تُدار بها المؤسسات العراقية. قراراته، مثل تحديد 100 مليون دينار كحد أدنى لشراء العقارات بعد أن كان 500 مليون، تكشف عن غياب أي رؤية أو دراسة اقتصادية، مُفاقمة بذلك معاناة العراقيين.

الشارع العراقي، الذي خرج في مظاهرات غاضبة للتنديد بتدهور الدينار وإعادة تعيينه مرة اخرى وعلى الرغم من فشله، يواجه جداراً من الصمت والتجاهل. الأحزاب الطائفية، التي تتحكم بالمناصب عبر نظام المحاصصة، لا تزال تُمسك بزمام الأمور، مُعيدة إنتاج نفس الوجوه الفاشلة والفاسدة. وفي الوقت نفسه، تُطالب إيران بمستحقاتها من العراق بالدولار حصراً، عبر شبكات مصرفية في دبي، مُكملة بذلك حلقة النهب التي تُفقر العراقيين وتُغذي خزائن النظام الإيراني المحاصر.

المصير المشترك أصبح يلوح في الأفق وأوضح من ذي قبل وتكرار سيناريو لبنان قد يحدث بين ليلة وضحاها ؟ولان كل المؤشرات تشير إلى أن العراق يسير بخطى ثابتة نحو مصير لبنان. الاقتصاد العراقي، المربوط بعائدات النفط، يُراد له أن ينهار تحت وطأة الفساد الداخلي والتدخلات الإقليمية. استمرار مافيات العملة في السيطرة على السوق، وتخبط الحكومة في إدارة الأزمة، يُنذران بكارثة وشيكة. إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية لمحاسبة الفاسدين وإصلاح النظام المصرفي، فإن انهيار الدينار لن يكون سوى بداية. الأسعار المتصاعدة للمواد الغذائية، وصعوبة تأمين رواتب الموظفين، والاعتماد على الاستدانة لتغطية النفقات التشغيلية، كلها علامات تُحذر من تكرار السيناريو اللبناني بحذافيره.

وراينا كيف في لبنان، دفع الشعب ثمن تواطؤ النخب السياسية والمصرفية، حيث تحولت المصارف إلى أدوات لنهب ودائع المواطنين. وفي العراق، تتجه المصارف الأهلية نحو نفس المصير، مُهددةً بإفلاس جماعي إذا استمر هذا التخبط والعشوائية واتخاذ قرارات غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع . الولايات المتحدة، التي تُشدد الخناق على إيران لتقليص صادراتها النفطية إلى الصفر، قد تُسرع هذا الانهيار إذا قررت فرض عقوبات إضافية على المصارف العراقية.

وفي محاولة للتستر على فضيحة مالية مدوية تكاد تكون مرئية بالافق او قاب قوسين او ادنى ، سارعت وزارة المالية العراقية إلى نفي سحب ودائع المواطنين من مصرفي الرشيد والرافدين، لدفع الرواتب وتامين نفقاتها التشغيلية ومدعية أن الأموال المسحوبة “سيادية”، في خطوة واضحة لامتصاص غضب الشارع العراقي وطمأنته بأن ودائعه لن تُصادر، على غرار ما حدث في لبنان حيث جُمدت ودائع المواطنين بالعملة الصعبة. هذا الفساد المستشري، الذي تحاول الحكومة جاهدة نفيه، ينذر بانفجار وشيك قد يُلقي بالشعب العراقي في دوامة الفقر والعوز والتشرد العائلية والمجتمعي ، حيث يصبح عاجزًا حتى عن تأمين لقمة عيشه اليومية.

والان نرى شعبان يتلقون نفس المصير لانهم تحت رحمة النخب والقادة السياسيين الذين لا يهمهم سوى كرسي الحكم والمنصب والعراق ولبنان اليوم ، دولتان تتقاسمان نفس المرض السرطاني أو الوباء : فساد مُمنهج، نخب طائفية تتحكم بالثروات، وسياسات مالية كارثية تُدار بعشوائية. الشعبان يدفعان ثمن هذه الجرائم، بينما تتراكم ثروات النافذين على أنقاض أحلامهما. السؤال ليس إن كان الاقتصاد العراقي سينهار كما حدث في لبنان، بل متى سيحدث ذلك، وإلى أي مدى ستُفاقم النخب هذه الكارثة قبل أن ينتفض الشعب لاستعادة ما سُلب منه.

sabahalbaghdadi@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *