آيات قرآنية في كتاب سورة هل أتى (الانسان) للسيد العاملي (ح 10)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في کتاب تفسير سورة هل أتى للسيد جعفر مرتضى العاملي: عباد الله: إنه تعالى قد عبر أولاً بالأبرار، ثم ساق الحديث باتجاه عباد الله، فقال: “عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ” (الانسان 6) وربما يكون ذلك وحده مبرراً للاعتقاد بأن المراد بالأبرار في الآية، موجودات عالية جداً، تجلت بهم صفات البر بصورة حقيقية وتامة، فاستحقوا هذا المقام المحمود. وهم خصوص أهل البيت عليهم السلام الذين لا بد أن يكونوا الأسوة والقدوة للناس جميعاً. والحقيقة هي: أن أبرارية أولئك الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم، كانت هي الطريق الذي أوصلهم إلى درجة العبودية الحقيقية، التي هي أسمى مقام، وأشرف وسام.. كما أشرنا إليه أكثر من مرة. فالعبودية بالمعنى الأتم، قد تجلت في النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، في أهل بيته الأبرار الأطهار عليهم الصلاة والسلام. وهذا يعطينا: أن الآية لا تريد فقط أن تحدد الأسوة والقدوة للناس.. وإنما تريد أن تقول أيضاً: إن الأبرارية قد أوصلت الأبرار إلى مقام العبودية. وأخيراً نقول: إنه تعالى قد تحدث عن فعل الأبرار بصيغ تناسب الحياة الأخروية. فقال سبحانه: “إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً” (الانسان 5-6). وذلك لكي يجسد لنا مدى فاعلية وتأثير تلك الصفات، ومدى أهميتها، وحسنها، وخلوصها. ليدفعنا إلى سلوك طريقهم، والالتزام بنهجهم، والاهتداء بهديهم، والاقتداء بهم. ولكي تتضح الخصوصية التي أراد الله سبحانه أن يفهمنا إياها من خلال التبديل السياقي للآيات، نقول: إنه تعالى حين أراد أن يصف حالهم وأعمالهم قال: “إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً” (الانسان 5-6). “يُوفُونَ بِالنَّذْر” (الانسان 7). “وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً” (الانسان 7). “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً” (الانسان 8-10).

ويستطرد السيد جعفر مرتضى العاملي عن عباد الله قائلا: وحين جاء دور الجزاء الإلهي لهم، نجد السياق يتغير، فهو تعالى يقول: “فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ” (الانسان 11). “وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً” (الانسان 11). “وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً” (الانسان 12). ويقول أيضاً: “لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً” (الانسان 13). “وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا” (الانسان 14). “وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً” (الانسان 14). “وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ” (الانسان 15). ويقول سبحانه: “وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً” (الانسان 17-18). فلم يقل: يشربون. بل قال: “يُسْقَوْنَ” (الانسان 17)، فنسب الفعل لغيرهم. ثم إنه تعالى يتابع بيان ما يجزيهم به.. إلى أن يقول: “وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً” (الانسان 21). وذلك كله يفيد: أن ثمة معان، وخصوصيات معينة، يريد الله سبحانه لنا أن نتوجه إليها، لأنها ذات قيمة وأهمية تفرض علينا أن نثقف أنفسنا بها.

وعن الفرق بين العباد والعبيد يقول السيد العاملي في كتابه: من حيث لزوم الالتزام بالطاعة للسيد، والانقياد له، ولا في الإقرار بمالكيته وسلطانه.
لكن الفرق هو في جهات أخرى، تدخل في نطاق دواعي ودوافع هذه الطاعة، وفي طبيعة العلاقة التي بين العبد وسيده. ولأجل ذلك نلاحظ: جاء القرآن بكلمة (العبيد) في خمس آيات فقط، وذلك في سياق كلامه عن الجزاء الذي لا بد أن يأتي من موقع السلطة، والقاهرية، والمالكية. وأن ذلك الجزاء إنما هو بما قدمت أيديهم، فهو يقول: “ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَمٍ لِلْعَبِيدِ” (آل عمران 182). ويقول: “ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَمٍ لِلْعَبِيدِ” (الحج 10). وقال: “وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَمٍ لِلْعَبِيدِ” (فصلت 46). وقال سبحانه: “مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَمٍ لِلْعَبِيدِ” (ق 29). ولكنه قد عبَّر بكلمة (عِبَاد) فيما يقرب من مئة مورد. حيث إنه تعالى يريد أن يظهر ما ينبغي أن تكون عليه طبيعة العلاقة بين الربّ وعباده. وأنها علاقة كرامة، ومحبة وطاعة، وتقرب له من قبل العبد، فلاحظ: “فَبَشِّرْ عِبَادِ”. “إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ” (الحجر 42). يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ” (الزمر 53). وغير ذلك من الموارد التي تعد بالعشرات. بل إنه سبحانه حتى حينما قال: “وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ” (سبأ 13). إنما نفى صفة الشكورية عن عباده، ولم ينف، ولا ينفي عنهم صفة الطاعة والانقياد، والرغبة في التقرب منه تعالى، والأنس به.

وعن النذر يقول السيد جعفر مرتضى العاملي: قال: “يُوفُونَ بِالنَّذْرِ” (الانسان 7). والمقصود في هذه الآيات، جماعة بعينها، هم محور الحديث في هذه السورة. والسؤال هو: إنه حين بدأ بذكر صفات الأبرار، قدم صفة الوفاء بالنذر على سائر الصفات، التي منها كونهم: “يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً” (الانسان 7). “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ” (الانسان 8) إلى آخر الآيات؟ أن النذر هو تعهد، والتزام أمام الله سبحانه بالعمل بأمر مّا..
والذي نعرفه عن البشر أنهم في تعهداتهم لبعضهم أوفى منهم في تعهداتهم أمام الله سبحانه. ان الله حين جعل أعظم وأخطر مقام لأمير المؤمنين عليه السلام وهو مقام الولاية العظمى، لم يشر إلى جهاد الإمام علي عليه السلام، ولا ربطه بقلعه لباب خيبر، أو قتل عمرو بن عبد ود، ولا ربطه بعلم علي، وتضحياته الجسام، أو غير ذلك من فضائله، بل هو قد جعل له ذلك في سياق التذكير بصدقة كانت منه على فقير أثناء الصلاة، قال تعالى: “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ” (المائدة 55). فكان هذا العمل الإنساني، والإيماني من علي عليه السلام دليلاً واقعياً وعملياً على كماله في الإيمان، والعلم، والتقوى، والوعي، ثم هو دليل على صحة وشمولية مفاهيمه، وسلامة مشاعره، وتفوقه في كل مزاياه الإنسانية، فاستحق بذلك أن يكون ولياً وإماماً. هذا، وقد ذكر القرآن الإمام علياً عليه السلام أكثر من مرة بما يشبه هذه المناسبة أيضاً، وذلك كآية النجوى، وآية الصدقة سراً وجهراً، وليلاً ونهاراً. وآيات سورة هل أتى بدءاً من هذه الآية. ثم الآيات التي تليها، ومنها آيات إطعام الطعام للمسكين، واليتيم، والأسير. وخلاصة القول: أن الوفاء بالنذر يكشف بصورة واقعية عن كمال حضور الله سبحانه في قلب هؤلاء الأبرار، وفي كل وجودهم. وعن أنهم قد بلغوا درجة الكمال في مزاياهم. حتى أصبح الوفاء بتعهداتهم هو السمة المميزة لهم، ولكن لا خوفاً من عقاب، ولا طمعاً في ثواب، بل لأن هذا هو خلقهم الأصيل. ولعل ذلك يوضح السبب في أنه تعالى قدم قوله: “يُوفُونَ بِالنَّذْرِ” (الانسان 7) على ما عداه، حيث قال: “يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ” (الانسان 7). ولم يقل: يخافون من ربهم يوماً عبوساً قمطريراً، ويوفون بالنذر. فإن هذا هو السياق الطبيعي لحياة هؤلاء الأبرار، ولعباديتهم له تعالى. ولارتباطهم به سبحانه، ومستوى هذا الارتباط.