الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في آلاء الرحمن في تفسير القرآن للشيخ محمد جواد البلاغي: قوله تعالى عن المتقين والمفلحين “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)” (البقرة 2-5)
1- “الم” (البقرة 1) علم معناها عند اللّه ورسوله ومستودعي علمه وأمنائه على وحيه. ولا غرو في ان يكون في القرآن ما هو محاورة بأسرار خاصة مع الرسول وأمناء الوحي “ذلِكَ الْكِتابُ” (البقرة 2) القرآن أشير اليه بإشارة البعيد لرفعة مقامه وعلو شأنه وذلك متعارف عند العرب في الإشارة الى العظيم الرفيع الشأن “لا رَيْبَ فِيهِ” (البقرة 2) ليس فيه محل للريب ولا ينبغي الريب في أمره. او ليس فيه شيء مريب بل هو “هُدىً” بالفعل وموصل الى حقيقة الدين وشريعة الحق وأركان الإيمان “لِلْمُتَّقِينَ” للّه الذين من تقواهم يقبلون على القرآن ويتبعونه حق الاتباع ويأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه ويتأدبون بآدابه ويسترشدون بمعارفه. والاتقاء مأخوذ من الوقاية يقال اتقى السيف بالدرقة أي اتقى ما يخاف منه وفي الآية الثانية والعشرين ”فَاتَّقُوا النَّارَ” (البقرة 24) و”وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي” (البقرة 48) وتقوى اللّه عبارة عن اتقاء ما يخاف منه كغضبة وعذابه فيتقى ذلك بطلب رضاه وطاعته في أوامره ونواهيه. واطلاق التقوى في وصفهم يدلّ على انها صفة عامة ثابتة لهم وملكة راسخة كالعالم والفقيه. والَّذِينَ في الآية الآتية وكذا التي بعدها ليست مبتدأ وخبره جملة أُولئِكَ عَلى هُدىً كما احتمل في بعض التفاسير بل هي صفة للمتقين.
2- “الَّذِينَ” (البقرة 3) من قوتهم في التقوى والإيمان بالحق واتباع الدليل والهداية “يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ” مما لم يروه ولم يحسوا به بل يحصل لهم يقين الإيمان بالحجة من كتاب اللّه وقول من قامت الحجة على عصمته وذلك كالبعث والنشور والوعد والوعيد والجنة والنار واحوال القيامة والنعيم والعذاب. ومن مصاديق المؤمنين بالغيب. المؤمنون بقيام المهدي المنتظر عجل اللّه فرجه كما في الرواية عن اهل البيت عليهم السلام “وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ” (البقرة 3) يواظبون عليها في أوقاتها قائمة على حدودها وشروطها وإخلاصها في العبادة والرغبة إلى اللّه في مناجاته والمثول في طاعته بحضرته “وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ” (البقرة 3) من مال بل وعلم كما في رواية أهل البيت “يُنْفِقُونَ” كما فرضه اللّه عليهم أو ندبهم اليه من البر والإحسان بالتعليم والبيان. وينفقونه على حين معرفة منهم واعتراف بأنه رزق اللّه ونعمته عليهم فيكون إنفاقهم أدخل في الطاعة المقرونة بالشكر وأقرب الى المعرفة والإحسان والدوام.
3- “والَّذِينَ” (البقرة 4) صفة اخرى للمتقين وجيء بواو العطف استلفاتا الى فضيلة هذه الصفة فإن التعداد بالعطف يمثل للذهن كلا من الصفات مستقلة بمزاياها لا كما إذا طردت من غير عطف. ألا ترى ان الذهن يجد من الرونق للصفات في قولهم جاء الرجل العالم والصالح والكريم والشجاع ما لا يجده في قولهم جاء الرجل العالم الصالح الكريم الشجاع “يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ” من الوحي من الكتاب وغيره ويذعنون بأنه منزل من اللّه على رسوله رحمة للعباد ولطفا منه فيظهر عليهم بذلك شعار الإيمان به “وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ” (البقرة 4) على الرسل والأنبياء حسب ما يحصل لهم من اسباب العلم بإنزاله. واظهر الأسباب في ذلك اخبار القرآن الكريم والرسول المصطفى به. وذلك من الإيمان بالغيب لأنهم لم يشاهدوا آية ومعجزة من أولئك الأنبياء الماضين “وبِالْآخِرَةِ” التي ذكرها القرآن وما فيها وعرّفتهم أنت بذلك في بشراك وإنذارك “هُمْ يُوقِنُونَ” (البقرة 4) ويرونها بإيمانهم بالغيب حق اليقين كان ذلك رأي العين. وصيغة المضارع في يوقنون تدل على ثبات اليقين ودوامه وهو الذي تظهر سيماؤه في دوام الطاعة والرهبة من سخط اللّه وعقابه والرغبة في رضا اللّه وثوابه الذي اعدّه في الآخرة للصالحين. وهؤلاء المتصفون بهذه الصفات بالآخرة هم يوقنون لا من يكذبها باعتقاده وقوله. او يصورها بتكلف اعتقاده بها على خلاف ما جاءت به رسل اللّه وكتبه. او من كانت سيرته في أعماله السيئة وتفريطه في الطاعات تمثل ضعف إيمانه بالآخرة وإن غفلاته عنها في أعماله وتروكه تكاد أن تأتي على ما يتكلفه من الاعتقاد بها والعياذ باللّه. وبعد التنويه بصفات المتقين المهتدين بالكتاب جاءت البشرى بكرامة مقامهم وربح تجارتهم فقال اللّه في شأنهم.
قوله عز وجل”أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة 5) أُولئِكَ مستقرونعَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ و توفيق و تسديد إذ كانوا بإيمانهم و إقبالهم على الطاعة أهلا لذلك “وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (البقرة 5) دون غيرهم أما في الدنيا فبراحة ما استشعروه من القناعة و تقدير النعم و شكرها و فضيلة الرضا بأمر اللّه و التسليم لحكمته و راحة الهدوء و الصلاح و حسن الأخلاق. و أما في الآخرة فبفلاح النعيم المقيم. و بمناسبة حال الكتاب في هداه مع المتقين الموصوفين و ما لهم من الاهتداء و الفلاح ذكر اللّه لرسوله حال بعض الكافرين بأنهم في تماديهم بالغيّ على الكفر و التمرّد لا يجدي معهم إنذارك و لا يؤمنون باللّه و رسوله و كتابه. هذا ما يقتضيه سياق القرآن الكريم خصوصا مع ابتداء الإخبار عن الذين كفروا بدون عطف بالواو.