جديد

كوردستان ما بعد الإستفتاء

كامل سلمان

نشر الحقائق لا تعني الإساءة ولا تعني بأي حال من الأحوال الطعن ، قد يكون مقالي هذا ناقداً لمرحلة زمنية مضت لكن العبرة بالخواتيم ، المقال لا يخلو من النقد اللاذع لأخطاء القيادات الكوردية التأريخية التي عفا عليها الزمن ولكن أثارها مازالت قائمة وأنا بالحقيقة لا أبغي الإساءة معزة ومحبة مني للقيادات الكوردية التي أكن لها كل الأحترام فهي بقناعاتي قيادات وفية مخلصة في عملها تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتحقيق تطلعات الأمة الكوردية ، فأنا تعودت أن انتقد ذات الخطأ وليس من إرتكب الخطأ ، فالخطأ وارد في أي نشاط حياتي وهو بالأخير ليس عيباً إذا تم تصحيحه والإستفادة من تجاربه .. هناك أحداث ومخاضات محلية وإقليمية قادمة تستوجب الذهاب إلى الماضي وإحضاره بكل قوة .. كوردستان ما بعد الإستفتاء هي غير كوردستان ما قبل الإستفتاء وأقصد بالإستفتاء الشعبي الذي جرى عام 2017 م لإعلان الأنفصال وبناء الدولة الكوردية ، ذلك الإستفتاء الذي وضع كوردستان في موضع صعب للغاية وأضعف الكورد كثيراً فقد كان فخاً محكماً خططته الدوائر المخابراتية في تركيا وإيران ضد القيادات الكوردية للوقوع بهذا الخطأ الكبير لكي يتم إضعاف كوردستان قدر المستطاع بعد أن أصبحت كوردستان مارداً مرعباً بمدنيته وعمرانه ونظامه السياسي ونفوذه الإقليمي والدولي أي أن كوردستان أصبحت اكبر من حجمها في حسابات الدول الأربعة المجاورة جغرافياً لأراضي كوردستان . نحن نقول اقليم كوردستان العراق هذا هو اللفظ المثبت بالدستور العراقي لكن بالنسبة لتركيا وإيران وسوريا هذا اللفظ غير دقيق ، اللفظ الصحيح بالنسبة لهم قيام اقليم كوردستان العراق يخص جميع الدول المجاورة لكوردستان نظراً لامتداد أراضي الكورد في عمق هذه الدول أو بالأحرى الجسم الغريب في أحشاء هذه الدول يتحملونه على مضض لأنه فرض عليهم فرضاً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي وهو بنفس الوقت استجابة طبيعية لنضال الشعب الكوردي الذي استمرّ لعقود طويلة . أقولها بصراحة لولا الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي لقامت هذه الدول المجاورة بحملة رجل واحد لابتلاع كوردستان وإعادتها مجموعة محافظات تابعة لحكومة المركز في بغداد كما كانت في السابق ، فأي تعامل بين حكومة اقليم كوردستان والحكومة العراقية هو بالحقيقة تعامل مع حكومات أربعة دول … غالبية الأزمات ولا أقول جميع الأزمات التي تحدث بين كوردستان والحكومة العراقية بين الحين والأخر من المرجح جداً أن تكون الحكومة العراقية بريئة منها وغير راضية عنها تماماً وإنما إملاءات دول الجوار ودوائرها المخابراتية المتغلغلة في القرار الحكومي العراقي تجبر الحكومة العراقية أن تتصنع هذه الأزمات لكيلا تنطلق كوردستان نحو الرقي والإزدهار فتصبح خارج سيطرة إراداتهم ، فهناك شبه غرفة عمليات مشتركة بين هذه الدول تخص كوردستان على اعتبار كوردستان إقليماً يخصهم جميعاً . هذه النقطة لم تكن تدركها القيادات الكوردية قبل الإستفتاء وكانت تظن بأنها تتعامل مع الحكومة العراقية بشكل منفرد بعيداً عن دول الجوار وبما أن الحكومات العراقية المتتالية بعد 2003 م كانت حكومات ضعيفة فظن الكورد أن بإمكانهم الحصول على المزيد من الإمتيازات في تعاملاتهم مع هذه الحكومات ولم يحسبوا حساب تركيا وإيران بالذات إعتقاداً منهم بأن تركيا وإيران لها مصالح اقتصادية وسياسية في كوردستان فسوف تراعي هاتان الدولتان مصالحهما ولم يكن يعلم الكورد بأن هؤلاء يتخذون المصالح غطاءً للتغلغل أكثر ولا تعنيهم تلك المصالح مهما كبرت لأن وجود إقليم كوردستان هو غصة في الحلق خلقته ظروف دولية معقدة ولا يعرفون كيف يتخلصون منها .. كل هذا الكلام كانت القيادات الكوردية تفهمه بشكل جزئي فكانت تزيد من وتيرة التبادلات التجارية والمشاريع الاقتصادية والتقارب السياسي مع هاتين الدولتين المجاورتين لعلها تكسب ودهما ( ونسي القادة الكورد بأن الفريسة لا تستطيع أن تكسب ود الذئب ) وفي الجانب الأخر أستمرت هاتان الدولتان تخطيطاتهما لدفع الكورد بإرتكاب الخطأ فجاء الإستفتاء ليروي ظمأهما وليفتح قريحتهما فكّشرت هذه الدول عن أنيابها وفعلوا بكوردستان ما فعلوا . بعد هذه الكارثة أدركت القيادات الكوردية بأن تعاملاتها مع الحكومة العراقية مهما صغر حجمها هي بالحقيقة تمر عبر أنقرة وطهران فلذلك وضع الكورد هذه الصورة أمامهم عند التعامل مع بغداد من بعد الإستفتاء فتغيرت أساليبهم ، فأصبحنا نلاحظ نمو العقل السياسي الكوردي وبانت مرحلة البلوغ السياسي بشكل ملفت عند القيادات الكوردية ، فبقدر ما كان الإستفتاء لعنة بقدر ما تحول إلى مدرسة كانت القيادات الكوردستانية بأمس الحاجة إليه و ستبقى دروسها تغذي العقل الكوردي بالحكمة والتخطيط الواعي والإرادة الصلبة لأجيال وأجيال . اليوم القادة الكورد بعد هذه التجربة المريرة في وضع معنوي عالي وإدراكي منفتح وحكيم جداً ، سلوكهم السياسي لم يعد فيه مجال للخطأ وتأثيرهم بالسياسة العراقية الداخلية والخارجية واضحاً وملموساً وكلنا نشعر اليوم بأن هنالك دهاء وحنكة سياسية عند القيادات الكوردية لم تكن موجودة قبل الإستفتاء بل بدى واضحاً حتى الدول المجاورة لكوردستان أصبحت تتفهم مقدار النضوج العقلي السياسي عند الكورد فراحت هذه الدول تتعامل مع الكورد بحذر شديد واحترام واضح لواقع حال الإقليم وخير دليل على ذلك الزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين في هذه الدول مع كوردستان لمناقشة أموراً كانوا في السابق يقررونها دون الرجوع إلى كوردستان ، أستطيع القول بأن كوردستان ما بعد الإستفتاء أصبحت رقماً ومعادلة لا يستهان بها في المنطقة وربما سيكون لكوردستان دور محوري فعال في رسم مستقبل المنطقة التي ستتغير قريباً جداً ، فنحن مقبلون على احداث دراماتيكية كبيرة سوف تعصف بالمنطقة لم يسبق أن شاهد التأريخ مثيل لها من قبل . فالوقت قد حان ليستطيع العقلاء التعبير عما أثرتهم به التجارب المرة وليقولوا للتأريخ بأن كبواتهم لم تكن سوى كبوات الفرسان .

Kamil.salman@gmail.com