حسين شكران الأكوش العقيلي
ليست المجتمعات كائنات تُولد فجأة، ولا هياكل تُشيد بالإسمنت وحده. إنها نسيج حيّ، تُغزل خيوطه من قيم غير مرئية، لكنها أكثر رسوخًا من الجدران، وأكثر تأثيرًا من القوانين. حين نتأمل في المجتمعات التي صمدت أمام العواصف، أو تلك التي انهارت رغم وفرة الموارد، ندرك أن البناء الحقيقي لا يبدأ من الأعلى، بل من الداخل؛ من الضمير الجمعي، من الإيمان المشترك، من تلك القيم التي لا تُرى ولكنها تُحس وتُعاش.
المجتمع ليس مجرد تجمع بشري، بل هو اتفاق ضمني على معنى الحياة المشتركة. هذا الاتفاق لا يُكتب في دساتير، بل يُنقش في السلوك، ويُترجم في ردود الأفعال، ويُختبر في الأزمات. فحين يغيب العدل، لا تنهار المحاكم فقط، بل تتشقق الروح العامة. وحين تُهمش الكرامة، لا يُهان الفرد وحده، بل يُهان المجتمع كله في صمته.
القيم التي تبني المجتمع ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي ممارسات يومية: كيف نُعامل الضعيف؟ كيف نُحاور المختلف؟ كيف نُوزع الفرص؟ كيف نُعرّف النجاح؟ هذه الأسئلة ليست فلسفية فحسب، بل هي أدوات بناء أو هدم. فالمجتمع الذي يُكرّس التسلط باسم الدين، أو يُشرعن الإقصاء باسم الهوية، لا يبني ذاته، بل يحفر قبره بيديه.
إن البناء الحقيقي يبدأ حين نُعيد تعريف القوة بأنها خدمة، والقيادة بأنها مسؤولية، والهوية بأنها انتماء لا إلغاء. يبدأ حين نُعيد الاعتبار للضمير، لا كترف أخلاقي، بل كشرط وجود. يبدأ حين نُدرك أن العدالة ليست مطلبًا قانونيًا فقط، بل هي جوهر العلاقة بين الفرد والمجموع.
في زمن تتسارع فيه التحولات، وتتشظى فيه الهويات، يصبح الحديث عن “النسيج الخفي” ضرورة لا رفاهية. فالمجتمع الذي لا يُحصّن نفسه بالقيم، سيُخترق بسهولة، مهما بلغت صلابته الظاهرة. والمجتمع الذي لا يُربّي أبناءه على المعنى، سيُنتج أجيالًا تائهة، تبحث عن ذاتها في مرايا الآخرين.
إننا بحاجة إلى ثورة هادئة، لا تُرفع فيها الرايات، بل تُزرع فيها القيم. ثورة تبدأ من الكلمة الصادقة، من الموقف النزيه، من الاحتفاء بالنماذج التي تجمع بين الأصالة والتجديد. ثورة تُعيد الاعتبار للفكر، وتُحرر الدين من سطوة التوظيف، وتُعيد للهوية معناها الإنساني قبل السياسي.
هكذا يُبنى المجتمع: لا بالضجيج، بل بالمعنى. لا بالعدد، بل بالوعي. لا بالسطح، بل بالعمق. ومن لا يرى هذا النسيج، لن يفهم كيف تنهض الأمم، ولا لماذا تسقط.