حركة عصائب أهل الحق.. من فصيل مقاوم إلى أهم الفواعل السياسية.. قراءة في مؤشرات الصعود السياسي..!

عمار الولائي

تُعدّ حركة عصائب أهل الحق إحدى أبرز القوى الفاعلة في النظام السياسي العراقي خلال العقد الأخير، وقد استطاعت أن تفرض حضوراً ثابتاً ومؤثراً في بيئة سياسية تتّسم بالتعقيد والتقلّب، والانقسامات، وتغيّر موازين القوى، تأسست هذه الحركة ما بعد ٢٠٠٣ كردة فعل ضد الاحتلال الأمريكي، فكانت واحدة من أهم فصائل المقاومة ضد المحتل الأمريكي، ثم استطاعت أن تؤسس جناحا سياسيّاً عرف بحركة (صادقون) ثم اشتركت في الانتخابات التشريعية لأول مرة عام 2014 فكان لديها مقعد واحد، واستمرت في قوس الصعود إلى (15) نائبا في 2018 ثم (18) نائبا في 2021 ثم (28) نائبا في انتخابات 2025.

هذا التفوق والنجاح ليس اعتباطيّاً، بل وراؤه عمل دؤوب، ومنظومة فكرية وقيادية وإدارية ناجحة، وهو حصيلة مجموعة من العناصر التنظيمية والسياسية والاجتماعية التي كوّنت ملامح قوّة الحركة وحدّدت موقعها داخل الخارطة العراقية.

أولاً: التماسك التنظيمي وصلابة القرار

تميزت الحركة بقدرتها على المحافظة على بنية تنظيمية منضبطة وهرم قيادي موحّد، ما جعل خطابها السياسي ثابتاً وغير متذبذب. هذا التماسك منحها قوة في المواقف وقدرة على إدارة أجنحتها السياسية والعسكرية والإعلامية ضمن رؤية واحدة، الأمر الذي تفتقده بعض القوى السياسية الأخرى ذات القيادة المتعددة أو التوجهات المتضاربة.

ثانياً: قاعدة جماهيرية راسخة

استطاعت الحركة أن تبني قاعدة شعبية ثابتة داخل عدد من المحافظات، وبخاصة بغداد والبصرة وبابل، وتعود هذه القاعدة إلى حضور اجتماعي وخدمي استطاعت الحركة من خلاله تعزيز علاقتها بالطبقات الشعبية، الأمر الذي جعل جمهورها مستقراً وأكثر التزاماً خلال المحطات الانتخابية.

ثالثاً: ماكنة انتخابية فعّالة

تُعدّ الماكنة الانتخابية لعصائب أهل الحق من أكثر الماكينات تنظيماً ونجاحًا، فهي تعتمد على الكوادر المتقدمة للحركة والكوادر النخبوية والأكاديمية الذين يعملون ليل نهار لتقديم الخدمة إلى الجمهور، والنزول الميداني والتواصل مع الفعاليات الاجتماعية، ما جعلها تحقق حضوراً مؤثراً في كل دورة انتخابية رغم المنافسة الشديدة، كما نجحت باستقطاب الشخصيات ذات الرصيد الأكاديمي والاجتماعي والمهني والعشائري، فضلا عن إقامة المؤتمرات والندوات وورش العمل بشكل دوري.

رابعاً: خطاب سياسي واضح وثابت

يمتاز خطاب الحركة بالوضوح تجاه الملفات الكبرى مثل الوجود العسكري الأجنبي، وحماية الحشد الشعبي، ودعم “المقاومة”، والحفاظ على استقرار النظام السياسي، هذا الثبات ولّد الثقة لدى جمهور الحركة ومنحها صورة القوة السياسية التي لا تغيّر مبادئها بتغيّر الظروف.

خامساً: علاقات قوية داخل الإطار التنسيقي وخارجه

لحركة صادقون علاقات قوية ومتينة مع القوى الرئيسة التي تشكّل الإطار التنسيقي، وكذلك خارج الإطار من الكرد (الاتحاد الوطني الكردستاني) وأيضا علاقات جيدة مع بعض القوى السنية والمسيحية (بابليون) والأيزيدية وغيرها من القوى، وهذا ما يمنحها قوة فاعلة في صياغة القرار الوطني

سادساً: التفوق الإعلامي

تمتلك الحركة منظومة إعلامية متميزة (إعلام مرئي.. مسموع.. مواقع تواصل اجتماعي… مراكز دراسات.. مؤلفات… الخ) أسهمت في إيصال صوت (صادقون) إلى كافة فئات المجتمع، و توسيع حضورها.

سابعاً: فهم دقيق لأسرار صراع الشرق الأوسط

تمتلك قيادة الحركة فهما دقيقا ونضجًا استراتيجيا لطبيعة الصراع الشامل بين معسكر الحق ومعسكر الباطل، وبالخصوص صراع الشرق الأوسط، ووظّفت العمل السياسي وجعلته جزءً مهما من منظومة الجهاد الكبرى، فكان خطابها السياسي استراتيجيا مقاوما

ثامنا: العراق القوي و(بناء الدولة)

اتّسم خطاب الحركة بالخطاب الوطني الجامع الداعي إلى وحدة العراق وجعله قويا مقتدرا والابتعاد عن الشعبوية أو الطائفية مع الاعتزاز بمحور المقاومة من منطلق (مقاومة تحمي وتبني الدولة، ودولة تحتضن المقاومة) وهذا ما تمثل في شعارها الانتخابي (عراقٌ قوي)

ثامناً: القدرة على إدارة الأزمات

لسماحة الشيخ الأمين استشراف دقيق للمستقبل، وقدرة كبيرة على إدارة الأزمات، تمثّل ذلك في فتنة تشرين الأمريكية، وإبّان حكومة الكاظمي وأزمة انتخابات 2021 ، هذه القدرة في التعامل مع الأزمات والتحديات والمخاطر، أعطت للجمهور دافعا قويا في التمسك بحركة صادقون كقوة يمكن التعويل عليها في اللحظات الحرجة والأزمات الكبرى.

خاتمة

قد تبقى بعض الأحزاب قائمة لسنوات طويلة لكنها تضمحل شيئا فشيئا لتتحول إلى كيانات رمزية غير مؤثرة، أما الفاعلية السياسية تقاس من خلال القدرة على صنع القرار وتشكيل الحكومة والتحالفات والتأثير في السياسات العامة للدولة، والتكيّف مع التغيرات الاجتماعية، وهذا ما تم ملاحظته على حركة (صادقون) التي لا تتجاوز عمرها الـ (١٢) إلا أنها استطاعت أن تتجاوز أحزابا عمرها عشرات السنين وأصبحت رقما صعباً، وفاعل سياسي مؤثر لا يمكن تجاوزه، وهذا بفضل القيادة الحكيمة المتمثلة بسماحة الأمين العام الشيخ الخزعلي (أعزه الله) الذي يمتلك فهما دقيقاً للمشهد السياسي المحلي والإقليمي والدولي، والقدرة على تجديد الخطاب دون تفريط بالثوابت، وبفضل المحافظة على القاعدة الشعبية والتنظيمية للحركة واستيعاب الكوادر والنخب والكفاءات العلمية والشبابية، وقدرة الحركة على الجذب والاستقطاب وغيرها من العوامل التي لا يسع المجال لذكرها، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته