حين تتحول الدولة إلى شاهد زور: السلاح “عبء” أم آخر ما تبقى من السيادة؟
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم تكن تصريحات وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، ولا ما سبقه أو تلاه من موقف لرئيس الجمهورية، زلة لسان أو توصيفًا سياسيًا عابرًا، بل تحولًا خطيرًا في موقع الدولة نفسها:
من دولة يُفترض أن تحمي سيادتها، إلى سلطة تمنح العدو الإسرائيلي مسبقًا حق الاعتداء على لبنان.
أولًا: النص الحرفي…
وما يعنيه قانونيًا
حين يقول وزير الخارجية إن “سلاح المقاومة أصبح عبئًا” وإن “اتفاق وقف إطلاق النار ينص على تسليم السلاح”، ويضيف أن عدم تسليم السلاح يعطي إسرائيل حق الاعتداء، فهذا ليس توصيفًا سياسيًا، بل:
1-1 إقرار ضمني بشرعية العدوان الإسرائيلي
2-1 تنازل صريح عن مبدأ السيادة
3-1 تحميل الضحية مسؤولية الجريمة
وهذا بحد ذاته خرق دستوري جسيم، لأن أي اعتداء إسرائيلي هو عدوان موصوف، لا “حقًا مشروطا”.
ثانيًا: وهم “وثيقة وقف إطلاق النار”
تُمعن السلطة اللبنانية في الترويج لإعلان وقف إطلاق النار بوصفه “وثيقة دولية” و”المرجعية الأساس” ، بينما الحقيقة القانونية مختلفة كليًا:
الإعلان لم يوقّع من الطرفين الوسيطين (الأمريكي والفرنسي)
البنود وُزعت بتوقيع أمين عام مجلس الوزراء القاضي محمود مكية فقط
لا تسجيل أممي، ولا تصديق من مجلس الأمن
بالتالي، ومن منظور القانون الدولي:
1-2 هذا الإعلان لا يساوي الحبر الذي كُتب به، ولا يُنشئ التزامات سيادية على لبنان.
ثالثًا: وقف النار = تنفيذ 1701… لا أكثر
حتى لو افترضنا جدلًا وجود قيمة سياسية للإعلان، فهو لا يتجاوز كونه آلية لتنفيذ القرار 1701، وليس تفويضًا بإعادة تفسيره أو توسيعه.
والقاعدة القانونية واضحة:
لا يملك أي طرف، محلي أو دولي، إضافة حرف واحد على قرار صادر عن مجلس الأمن، إلا بقرار جديد من المجلس نفسه.
رابعًا: ماذا يقول القرار 1701 فعلًا؟
القرار 1701 ينص صراحة على:
1-4 نزع السلاح جنوب نهر الليطاني فقط
2-4 عدم وجود أي قوات مسلحة جنوب الليطاني سوى الجيش اللبناني واليونيفيل
ولا يوجد في القرار:
3-4 أي نص يفرض نزع سلاح المقاومة على كامل الأراضي اللبنانية
4-4 أي تفويض لإسرائيل باستخدام القوة إذا لم يُنزع السلاح
خامسًا: الخرق الدستوري… واتفاق الطائف شاهد
الأخطر أن السلطة التنفيذية، ومعها الخطاب الرسمي، تخالف اتفاق الطائف والدستور اللبناني صراحةً.
اتفاق الطائف – الفقرة ثالثًا – واضح وضوح الشمس:
نزع السلاح وبسط سلطة الدولة لا يتمان إلا بعد إزالة الاحتلال الإسرائيلي إزالة شاملة.
والنص الحرفي يقول:
“العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن القاضية بإزالة الاحتلال الإسرائيلي إزالة كاملة.”
أي:
لا سحب سلاح بوجود احتلال
لا سيادة منقوصة
لا تحميل المقاومة مسؤولية عجز الدولة
سادسًا: منح إسرائيل “حق الإعتداء” = خيانة سيادية
حين يمنح وزير خارجية دولة ذات سيادة العدو حق الاعتداء، فهو:
1-6 يتنازل عن السيادة لصالح العدو
2-6 يخالف الدستور
3-6 ينقلب على القسم الرئاسي ومقدمة البيان الوزاري
فالعدو لا يحتاج إلى إذن، لكن الدولة ممنوعة دستوريًا من منحه شرعية مسبقة.
سابعًا: الوقائع لا تُمحى بالخطاب
أما التنكر لانتصارات المقاومة، فتصطدم به الوقائع الصلبة:
1️⃣ عام 2000: انسحاب إسرائيلي كامل دون قيد أو شرط – تحرير لبنان
2️⃣ عام 2006: فشل الحرب، انسحاب خلال ساعات، والتزام إسرائيلي بالـ1701 لـ17 عامًا
3️⃣ عام 2024: إسرائيل هي من طلبت وقف إطلاق النار، لا المقاومة
والنتيجة واحدة:
👉 من يطلب وقف النار هو الخاسر، لا المنتصر.
ثامنًا: دولة صامتة أمام 10,000 اعتداء
في مقابل ذلك:
1-8 أكثر من 10,000 خرق واعتداء إسرائيلي
2-8 صمت رئاسي وتنفيذي مطبق
فشل في حماية المواطنين
3-8 فشل في حماية السيادة
وهو إخلال مباشر بواجبات الدولة الدستورية.
والمثل اللبناني يلخص المشهد؛ فكما يقول المثل:
“لا بدّهم يقاوموا، ولا بدّهم يزيحوا من درب المقاومين.”
فالدولة التي لا تحمي، وتمنح العدو حق العدوان، وتطلب من شعبها التخلي عن آخر عناصر الردع، لا تبني سيادة… بل تُعلن الإفلاس الوطني.
وإن َ غدًا لناظره قريب
13 كانون الثاني/يناير 2026