الفرزدق في محراب الحقيقة

كريم القاسم

أيها المتلقي الكريم:

تمهّل قليلاً أمام عتبة هذا النظم، فأنت لست بصدد قراءة بيت من الشعر فحسب، بل أنت مدعو لولوج محراب هندسي شُيّدَ باليقين، وصيغَ بمداد الإباء.

إنزعْ عن ذهنك رداء القراءة التقليدية، وتعال معي لنستنطق كيمياء الحروف، ونكشف عن تلك السطوة البلاغية التي جعلت من ضمير لغوي واحد يختصر اليقين، ومن بيت شعريّ واحد يُرمم هوية أمّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الفرزدق في محراب الحقيقة)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في تاريخ النصوص الشعرية التي لا تبلى، يبرز بيت الفرزدق:

إنْ عُدَّ أهلُ التُقى كانوا أئمَتهم ….

أوْ قِيلَ مَن خَيرُ أَهلِ الأرضِ قيلَ هُمُ

ــ تعود قصة هذا النظم إلى تلك اللحظة التاريخية المشهودة في زحام الحجيج، حين كان الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك يجهد في شق الصفوف للوصول إلى الحجر الأسود وبالكاد يستطيع، بينما انفتح الزحام وانفرجتْ الصفوف بهيبة فطرية لعلي بن الحسين الملقب بزين العابدين (رضيَّ الله عنه) حتى وصل إليه بيُسرٍ.

وهنا سأل هشام، وهو العارف به حق المعرفة ولكن من باب التغافل وإنكار المنزلة فقال:

(مَن هذا؟)

فجاء رد الفرزدق بوثيقة لغوية فورية ليرد التغافل بيقين، ويحيل السؤال من استفهام عن فرد إلى تعريف أمّة بأكملها، حيث اختصرت كل قيم الفضل والسيادة في هذا النظم الفريد.

هذا البيت الشعري ليس كمديح لشخص، بل كبنية لغوية صادمة أعادت رسم خارطة الفضيلة في الوجدان العربي.

إن الصدمة هنا ليست في المعنى المباشر، بل في تلك الهندسة الإحتوائية التي مارستها اللغة لترسيخ مفهوم الجوهر المتفرد.

• من الناحية التفسيرية نجد بناء البيت الشعري يلغي المزاحمة تماماً، أي إن المعنى يلخص ما يلي :

(إذا كان هؤلاء هم (خير أهل الأرض) بإجماع مطلق، فإن أي اختلاف معهم ليس اختلافاً في الرأي، بل هو خروج عن المنطق وعن الخيرية.)

• بدأ الفرزدق بـ (إنْ ) في صدر البيت الشعري، و الشطر الثاني بـ (أو) وهذه الأدوات ليست لمجرد الربط، بل هي أدوات تحدٍّ منطقي.

الفرزدق يضع (هشام بن عبد الملك أو أي منازع للحقيقة) في زاوية ضيقة.

فهو يقول:

لا تمدحهم أنت إن كنت كارهاً، لكن جرب فقط أن تفتح باب المقارنة (إن عُدَّ….) ستجد النتائج تفرض نفسها قسراً (كانوا أئمتهم).

إنه يحول المدح من عاطفة شاعر إلى استحقاق موضوعي لا يملكه حتى الشاعر نفسه.

• هناك جمال نظمي، وهو الالتفات الزماني، حيث يجسد الازلية والخلود.

لاحظ استخدام الفعل (كانوا) بصيغة الماضي في عبارة (كانوا أئمتهم) ثم القفز إلى الإجابة الحاضرة والمستمرة الازلية (قيل همُ).

فكلمة (كانوا) هنا لا تفيد انقطاع الزمن، بل تفيد الثبات التاريخي، مثل قوله تعالى:

(وكان الله غفوراً رحيماً)

إن الفرزدق يريد أن يقول إن إمامتهم في التقى ليست حدثاً طارئاً أو منصباً سياسياً عابراً، بل هي قانون سماوي ثابت منذ الأزل وإلى الأبد.

• لنتفحص دقة النظم في شعر الفرزدق باستعمال (التنكير والتعريف) وصناعة الرهبة.

إن عبارة (أهل التقى) جاءت مُعرّفة بالإضافة، لتشمل كل من يتصف بالتقوى في الأرض.

و كذلك (أئمتهم) جاءت مُعرّفة بالإضافة لتفيد السيادة.

الدقة هنا تكمن في الصدمة البلاغية، فبينما يؤم الناس إمام يقود أجسادهم في الصلاة أو السياسة، جعل الفرزدق هؤلاء (أئمةً للأئمة).

أي هم القمة التي يتطلع إليها حتى الأتقياء أنفسهم.

لقد رفع سقف المدح إلى منطقة لا تطالها قامة أخرى.

• تبدأ الصدمة اللغوية من آخر كلمة في خاتمة البيت الشعري (هُمُ) حيث جعلها الفرزدق أزلية، والبسَ المحذوف رداء السيادة والهيبة.

نحن أمام ضمير منفصل يحل محل أمة بأكملها.

إن الفرزدق هنا لا يصف، بل يُعرّف الحقيقة والماهية.

إن استخدام (هُم) في نهاية الجملة هو إعلان عن نهاية اللغة، فبعد هذا الضمير لا يوجد نعت يضيف جديداً، ولا خبر يستوعب المعنى.

لقد حوّل الشاعر الممدوحين من أشخاص إلى مآل قدسي، فصار الضمير هو الوجود، وما دونه هو العدم.

وفي لغة النقد التفكيكي، نحن أمام الضمير الكلي (هم).

فالفرزدق هنا لا يمدح، بل يمارس عملية إستقطاب مصيري حين يحصر خيرية أهل الأرض في (هُمُ) فإنه يحول بقية البشر إلى رُتَب تالية.

إنها حاكميَّةُ الفضل التي لا تقبل الشِرْكة، فإما أن تكون في مَدارِهم، أو أنك خارج تصنيف الخيرية.

لقد لخص الفرزدق العالم في (هُمُ) وترك لنا (نحن) مغبة البحث عن موقعنا خلف أقدام هؤلاء الأئمة.

• ولنتفسح في الشطر الأول لنقف أم عبارة (كانوا أئمتهم) حيث نجد مجازاً قائماً على الاستعلاء الرُتَبي.

لقد استخلص الشاعر صفة الإمامة من سياقها الفردي ليجعلها معياراً لكل من يتصف بالتقوى.

الصدمة البلاغية هنا تكمن في أن الممدوح لم يعد (واحداً مِن) بل صار القبلة التي يتجه إليها الأتقياء أنفسهم.

إنها مرتبة إمامة المبدأ، حيث يتوارى الشخص ليظهر المعنى الكلي للتقوى.

• إن استخدام الفعل المبني للمجهول (قيلَ) مرتين في شطر واحد هو ضرب من الإجماع الفطري.

الشاعر هنا ينفي عن نفسه تُهمة الانحياز أو العاطفة الفردية، ويحيل الحكم إلى صوت الغيب أو الفطرة السليمة.

إن استخدام الفعل المبني للمجهول (عُدَّ) في عبارة (إن عُدَّ أهل التقى) و(قيل همُ) يمثل ذروة الذكاء النظمي.

فالفرزدق لا ينسب الكلام لنفسه، بل ينسبه للوعي الجمعي الفطري.

الصدمة النقدية هنا أن الفرزدق يقول لنا:

حتى لو صام لساني عن مدحهم وبيان منزلتهم، وحتى لو سكتَ التاريخ، فإن حقيقة هؤلاء منقوشة في ضمير الغيب.

لقد حوّل الفرزدق المدح من وجهة نظر شخصية إلى حتمية رياضية.

هذه الصدمة الأسلوبية تجعل من النص حقيقة موضوعية تشبه القوانين الرياضية، فالسؤال عن (خير أهل الأرض) لا يحتاج إلى تفكير، بل هو جواب تضج به الألسن (هُمُ) بصيغة الجمع، وكأن الحقيقة أكبر من أن ينفرد بها لسان شاعر واحد.

• لقد صنع الفرزدق توازنا جوهرياً بين (أهل التُقى) و ( أهل الأرض) .

فثَمة مفارقة مجازية مذهلة بين الشطرين، فالأول يحلق في سماء (اهل التقى) وهو عالم الغيب والروح، والثاني يرسو على (اهل الأرض) وهو عالم الشهادة والمادة.

هذا التقابل النظمي الهندسي يجعل من البيت الشعري نصاً شمولياً يستغرق الزمان والمكان.

إن الصمود الذي يطبع هذا البيت الشعري نابع من قدرته على الربط بين المثال الأخلاقي وبين الواقع الإنساني، مما يجعله نصاً غير قابل للكسر أمام رياح التغيير أو رداءة التأويل.

• شاهد التكرار والموسيقى التصاعدية في البيت الشعري:

إن البيت الشعري مبني على تكرار حرفي القاف والهمزة في (تقى، أئمتهم، أرض، قـيل، هــمُ)

فالقاف في (تقى) تعطي جرساً من القوة والاصطدام، والهاء في (هُمُ) تعطي زفيراً يخرج من أعماق الصدر.

هذا التصاعد الموسيقي، نجده يبدأ بـ (قرع) وينتهي بـ (تنهيدة) و ارتياح ويقين.

هذا التردد الموسيقي يهيئ المتلقي نفسياً للاستسلام للحقيقة التي يطرحها الشاعر دون مقاومة.

• لنتأمل سر الحذف الفني والذي يجسد الإيجاز المهيب:

في قول الفرزدق (قيلَ هُمُ) حُذِفَ المبتدأ أو الخبر، حيث ان التقدير هو ( هم خير أهل الأرض، أو هم الأئمة).

ان الحذف هنا ليس للاختصار، بل لأن ذكر (الصفة) بعد (الموصوف) في هذا السياق يُعد تحصيلاً للحاصل.

فكلمة (هم) بحد ذاتها أصبحت صفة وموصوفاً وكياناً مستقلاً.

هذا الحذف والإيجاز يعطي انطباعاً بأن جلال القدر يضيق عنه اتساع الكلام.

• ما سر استغناء الفرزدق في نظمه هذا عن الصفات و النعوت؟

الجواب/

ــ في بلاغة المديح التقليدي، يغرق الشاعر في الوصف بكلمات مثل (كريم، شجاع، حليم ، تقي …) لكن الفرزدق هنا فعل العكس تماماً، حيث استغنى عن كل الصفات واستخدم أسماء الإشارة والضمائر.

لأن الصفات قد تتغير أو تضعف، لكن الذات (هُم) ثابتة.

ـ إن صمود هكذا نظم على مدى الحقبة التاريخية الطويلة ينبع من أن الفرزدق لم يمدح (أفعالاً) قد تتبدل، بل مدح كيمياء روحية متأصلة في الممدوح.

وهذا نظم يتجاوز القشور ليغوص في اللب.

• إن سر التوازن الهندسي في هذا النظم المتقن الدقيق يكمن في المقابلة الخفية.

فالبيت الشعري منقسم بدقة متناهية الى:

ــ الشطر الأول:

يمثل (المرجعية الدينية والروحية) في (أئمتهم)

ــ الشطر الثاني:

يمثل (المروحية والإنسانية) في (خير أهل الأرض) و (قيلَ همُ)

إن هذا التوازن يجعل البيت الشعري مكتفياً ذاتياً، هو يغطي السماء والأرض، والدين والدنيا.

إن صمود النص يأتي من هذه الإحاطة، فلا يمكنك أن تخرج عن هذا البيت الشعري يميناً أو يساراً إذا أردت وصف منتهى الفضيلة.

هذا النوع من الأدب لا يحتاج إلى بهارات لغوية ليعيش، فصدقه هو وقوده الذي يمنعه مِن البَلى.

إن هذا النظم الزلال يثبت أن البلاغة الحقّة هي التي تأنف الحشو.

لقد اختزل الفرزدق قضية الإستحقاق الإنساني برمتها في كلمة واحدة (هُمُ) وهي كلمة، برغم قصرها، تظل ثقيلة في ميزان النقد، لأنها لم تُكتب بمداد التملق، بل نُحتتْ بوعي رصين يُدرك أن الحق لا يحتاج إلى بهارج، وأن الجوهر هو الوحيد الذي يملك حق الخلود حين تصمت السيوف.

الفرزدق في هذا البيت الشعري لم يمدح شخصاً، بل كان يُرمّم هوية أمة تآكلت بفعل إغراءات السلاطين التي يرفضها الشرفاء.

فهو لا يخاطب العقل فقط، بل يضغط على زر اليقين في الفطرة البشرية.

حيث استخدم بناءً جُمليّاً يشبه الأمثال السائرة، لأنها تخرج من سياق قصيدة مدح لتصبح قاعدة أخلاقية.

فأنت حين تقرأ هذا البيت الشعري، لا تشعر أنك تقرأ شعراً كُتب لهشام بن عبد الملك، بل تشعر أنك أمام وثيقة حقوقية للكمال البشري.

• والى بيانات قادمة بعون الله تعالى.

• احترامي وتقديري.

(كريم القاسم / بغداد)