من الذي أوقف ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران

ضياء ابو معارج الدراجي

لم تكن السعودية، ولا قطر، ولا الإمارات، ولا أي دولةٍ أخرى هي التي أوقفت دونالد ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران. ورغم وجود طلبات فعلية لدى بعض هذه الدول بعدم إشعال حرب في الخليج خوفًا من إحراق المنطقة بأكملها، فإن تأثيرها على قرار ترامب كان شبه معدوم. فترامب، بطبيعته السياسية والشخصية، لا يحترم آراء الدول ولا يصغي لتحذيراتها عندما تتعارض مع اندفاعه وخطابه العدواني.

الذي أوقف ترامب فعليًا لم يكن موقفًا سياسيًا ولا وساطة إقليمية، بل الصدمة التكنولوجية. تلك الصدمة التي أحدثتها إيران عندما كشفت، عمليًا لا نظريًا، قدرتها على التشويش على تكنولوجيا الاتصال المرتبطة بالإنترنت الفضائي واقمار ستارلنك وفشلها في التواصل مع عملائها داخل ايران ، وهي التكنولوجيا التي تُعد جزءًا أساسيًا من منظومات القيادة والسيطرة الأمريكية الحديثة.

هذا التطور أربك مستشاري ترامب وأدخلهم في دائرة قلق حقيقية، إذ فتح باب الاحتمال على وجود تكنولوجيا صاروخية إيرانية متقدمة قد تتفوق على تكنولوجيا الردع الأمريكية، أو على الأقل تحيّد جزءًا مهمًا منها. وهو الاحتمال الذي لم يكن واردًا في الحسابات الأمريكية التقليدية.

إيران كانت قد تحدثت خلال ما عُرف بـ«حرب الاثني عشر يومًا» عن امتلاكها قدرات نوعية لم تستخدمها، ليس عجزًا، بل لأن الصواريخ القديمة حققت الهدف المطلوب. تلك الصواريخ استطاعت اختراق المضادات الإسرائيلية، وضرب قاعدة العديد، والوصول إلى أهدافها بسهولة ودقة، ما يعني أن الرسالة كانت قد وصلت دون الحاجة إلى كشف الأوراق الأهم.

هنا تحديدًا بدأ الخوف الحقيقي داخل دوائر القرار في واشنطن. فوجود احتمال امتلاك إيران لصواريخ ذكية أو منظومات توجيه وتشويش متقدمة يعني أن أي حرب قد لا تكون قصيرة ولا نظيفة، بل مكلفة وخطيرة. قواعد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والقواعد الإسرائيلية، وربما حتى مواقع في قبرص وأوروبا، ستكون جميعها ضمن دائرة الخطر.

الأخطر من ذلك أن فشل الولايات المتحدة في إسقاط النظام الإيراني، مع تعرض قواعدها وقواعد حلفائها لأضرار جسيمة دون القدرة على صد الرد الإيراني المحتمل، سيعني اهتزاز صورة أمريكا كقوة ردع عالمية. وهذا تحديدًا ما لا يستطيع ترامب تحمله، لا سياسيًا ولا نفسيًا.

لهذا تراجع ترامب. لا احترامًا لحلفاء، ولا خوفًا على الخليج، بل خوفًا من مفاجأة تكنولوجية إيرانية قد تقلب موازين القوة، وتُسقط هيبة الردع الأمريكي أمام خصومه في العالم.

ضياء أبو معارج الدراجي