البازار الإيراني والاختبار الاقتصادي الراهن

رياض الفرطوسي

في إيران، لا تبدأ التحولات الكبرى دائماً من المنصات السياسية ولا من خطب المنابر، بل كثيراً ما تولد في الأزقة المسقوفة للبازار، حيث تختلط رائحة السلع بقلق التجار، وحيث تُقاس حرارة المجتمع لا بالشعارات بل بحركة البيع والشراء. اليوم، يقف البازار الإيراني في قلب اختبار اقتصادي دقيق، يختصر بدوره حالة بلد كامل يعيش على إيقاع التحدي والمراجعة معاً.

ما تشهده مدن مثل طهران وأصفهان ومدينة قم لا يمكن اختزاله في عنوان الاحتجاج وحده. المسألة أعمق وأهدأ في ظاهرها، لكنها أشد وقعاً في جوهرها. تراجع قيمة العملة، ضغط الأسعار، تقلص القدرة الشرائية، واتساع هوامش القلق الاجتماعي، كلها عوامل دفعت السوق—بمنطقه العملي الصارم—إلى التعبير عن ضيقه. هنا، لا يحتج البازار بدافع الأيديولوجيا، بل بدافع الحساب: حين تختل المعادلة، يصبح الصمت خسارة.

الأزمة الاقتصادية في إيران لم تعد حبيسة التقارير أو جداول الأرقام. هي واقع يومي يلامس تفاصيل حياة الناس، من تكلفة المعيشة إلى فرص العمل، ومن الخدمات العامة إلى الإحساس العام بالاستقرار. جزء معتبر من الموارد المالية لا يجد طريقه إلى الموازنة العامة، ما يفاقم شعور المواطنين بأن الاقتصاد يعمل بأقل من طاقته، وبأن كلفة الضغوط—الداخلية والخارجية—توزَّع بشكل غير متوازن.

اللافت في الحراك الأخير أنه تجاوز مركزية العاصمة، وظهر في مدن ذات رمزية خاصة، أبرزها قم، بما تمثله من ثقل ديني وثقافي. هذا الامتداد الجغرافي لم يكن تفصيلًا عابراً، بل مؤشراً على أن القلق الاقتصادي صار همّاً عاماً، لا قضية فئة أو منطقة. ومع ذلك، حافظت التحركات في مجملها على طابع عقلاني، أقرب إلى المساءلة منه إلى المواجهة، في سياق دولة تمتلك مؤسسات انتخابية وآليات مشاركة تتيح، ولو نسبياً، تحويل الضغط الشعبي إلى نقاش داخلي حول السياسات.

في هذا الإطار، يمكن القول إن الشارع—حين تحرك—نجح في إيصال رسالته. فقد أسهمت الاحتجاجات في دفع الفريق الاقتصادي الحكومي إلى مراجعة بعض الخيارات التي لم تعد ملائمة لمرحلة شديدة التعقيد. انعكست هذه المراجعة في إجراءات اقتصادية مباشرة وتعديلات مرتقبة في الموازنة المقبلة، بما يؤشر إلى أن النظام السياسي، رغم صلابته، ما زال يستجيب للضغط حين يأتي ضمن حدود الاستقرار.

في المقابل، كشفت التطورات عن محاولات اختراق وتوظيف خارجي سعت إلى دفع الأمور نحو الفوضى، لكنها فشلت. هذا الفشل لم يكن صدفة، بل نتيجة وعي اجتماعي يميّز بين الاعتراض المشروع والتخريب، وبين النقد من الداخل والرهان الخارجي على الانقسام. هنا، سقطت مرة أخرى حسابات أميركية وإسرائيلية راهنت على تفكك الداخل الإيراني، لتظهر الدولة أكثر تماسكاً مما يُراد لها في الخطاب المعادي.

خارجياً، تتزامن هذه التطورات مع تصاعد التهديدات والضغوط، في بيئة إقليمية شديدة الحساسية. إيران، في هذا السياق، تبدو أكثر استعداداً لخيارات ردع أقسى إذا فُرضت عليها، مع إدراك أن أي خطوة غير محسوبة قد تعيد رسم خرائط التوتر في المنطقة. لذلك، فإن إدارة الداخل الاقتصادي لم تعد شأناً معيشياً فحسب، بل عنصراً من عناصر الأمن الوطني والحسابات الاستراتيجية.

إيران اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية: كيف توازن بين متطلبات الشارع وضغوط الاقتصاد، بين الثوابت السياسية وحاجات الحياة اليومية، وبين الصمود الخارجي والمرونة الداخلية؟ ما يحدث ليس مجرد أزمة عابرة، بل فرصة لإعادة التفكير في نموذج إدارة الدولة، وفي طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

في النهاية، يبقى البازار أكثر من سوق، والاحتجاج أكثر من غضب، والاقتصاد أكثر من أرقام. إنها لحظة صدق نادرة، تقول فيها الحياة اليومية كلمتها. والخيار المطروح أمام الدولة واضح: إما تحويل هذا القلق إلى طاقة تصحيح وتجديد، أو تركه يتراكم حتى يصبح عبئاً أثقل من أن يُحتوى. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر في صوت الشارع، بل في تجاهله.