الإسلام ورعاية ذوي الإحتياجات الخاصة

الإسلام ورعاية ذوي الإحتياجات الخاصة

قال تعالى) : لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ) النور : 61

أحمد الحاج جود الخير
كشفت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية في تقرير صادم لها صدر أواخر العام 2025 بأن قوات الكيان الصهيوني المسخ اللقيط قد قتلت أكثر من 61 ألفا من أبناء القطاع المحاصر، مقابل 993 فلسطينيا في الضفة الغربية، فيما أسفر العدوان “الكبالي الزوهاري التلمودي الفاشي الإبستيني العنصري المقيت”عن إصابة أكثر من 139 ألفا في كل القطاع المحاصر،والضفة التي قرر الكيان الإمبريالي الذي يحكمه ويتحكم فيه حاليا شرار الخلق ،وشذاذ الافاق من الاشكناز وهم أحفاد مملكة الخزر التي سادت في غابر التاريخ ثم بادت،وجلهم من صهاينة روسيا وأوروبا الشرقية ( كرواتيا ، أوكرانيا ، رومانيا ، بولندا ، هنغاريا ، بلغاريا ،التشيك ،سلوفاكيا ،سلوفينيا ، بيلا روسيا ، صربيا ..الخ ) وبما أكده الكثير من الباحثين بينهم عبد الوهاب المسيري ، وأحمد سوسة ، وقبلهم الجغرافي الشهير الاصطخري ، يتصدرهم جل أعضاء الحكومات اليمينية وقبلها العصابات الصهيونية المتطرفة التي تعاقبت على حكم الكيان منذ تأسيسه المشؤوم، وكلهم أبا عن جد لا علاقة لهم بفلسطين التاريخية،ولا بموسى عليه السلام، ولا بالعبرانيين، ولا بالسامية أساسا ، ضمها إليه ، بل وضم كامل أراضي الشرق الأوسط كذلك من النيل الى الفرات كما صرح بذلك النتن جدا جدا ياهو مؤخرا ، وأيده السفير الأمريكي داخل الكيان مايك هكابي ، خلال مقابلة صحفية له مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، وذلك استنادا الى نص في التوراة يبيح لهم ذلك ،وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية !!
وأشار التقرير وقتئذ الى فقدان ما يزيد على 11الف فلسطيني ،مع تسجيل ما بين 33–44 الف حالة إعاقة جديدة،ونزوح أكثر من مليوني شخص، وتسجيل أكثر من 1000 طفل مبتور الأطراف”،مردفا بأن”69% من الأطفال ذوي الإعاقة أصبحوا خارج التعليم، يعاني 90% منهم من الفقر الغذائي الحاد، مقابل 34% منهم يعانون من اضطرابات نفسية حادة،من فقدان 17% لأحد الأبوين !!” ودعونا في السطور التالية نقارن بين ما استعرضناه من حقد الصهيونية الغاشمة الدفين على البشرية جمعاء عامة ، وعلى ذوي الإعاقة خاصة ،وبين رعاية الإسلام العظيم لهذه الشريحة المباركة ، ووصيته خيرا بهم .
الحقيقة أن حكايتي مع ذوي الإحتياجات الخاصة بدأت تحديدا عام 1991 عندما أبلغت أن رفيق الطفولة ”عامر” اليتيم المصاب بإرتخاء العضلات منذ نعومة أظافره قد قضى جوعا في أحد دور اﻷيتام بمحافظة نينوى بعد أن ولى المسؤولون عن الدار هربا من جراء القصف اﻷميركي آنذاك ليعثر على جثته ﻻحقا طافية وسط المياه التي أغرقت الملجأ وقتئذ، وما تزال وستظل تلكم اﻷبيات الحزينة التي تغنى بها الشاعر الشعبي الشاب المقعد على كرسي المشلولين حسن الشيخ هادي، الذي أستشهد بتفجير ذي قار الإرهابي عام 2017، ترن في أذني (من حضن أمي كُبَل للكرسي اجيت ..كبرنا واﻷيام تمشي وما مشيت !)،ولقد أبدع الدكتور حمدي الأدهم،في كتابه المتميز (ذوو الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم ..وقاية ورعاية وحماية ) في تسليط الضوء على مكانة ،وسبل رعاية ذوي الهمم في القرآن الكريم .
وستظل إبتسامات إمرأة العام 2016 وأيقونة ذوي الإحتياجات الخاصة العراقية جنات الجميلي ،وقد أجريت معها حوارا صحفيا قبل وفاتها بعامين من دون أن تحضر معرضها التشكيلي الشخصي الذي أقيم في العاصمة اليابانية طوكيو وقد حقق حضورا لافتا أشاد به كل من حضروه.
كذلك قصة الطفل ابراهيم الخليل المصاب بمرض الثلاسيميا الذي ظل يعاني منه حتى وفاته عام 2020بالمرض ولاعلاج له سوى بعملية خطيرة في نخاع العظم ، والطفلة الجميلة مريم التي عانت من ضمور العضلات الشوكي حتى وفاتها وهي بعمر 13 سنة من دون أن تتمكن من الجلوس على كرسي مخصص للشلل الرباعي على خلفية فقر عائلتها وأبناء منطقتها الشعبية عامة ممن لا يمتلكون ثمن الكرسي المتحرك ولا تكاليف علاجها الباهظة ولا علاج ناجع لمرضها الوراثي النادر سوى بعلاج زولجنسما Zolgensma الجيني وبسعر يصل الى 2.1 مليون دولار للجرعة الواحدة، وقد كتبت فيها مقالا عام 2009 بعنوان “من قتل عذراء العراق مريم ؟!”، ومثلها قصة الطفل مروان الذي أصيب بشلل رباعي من جراء صاروخ كاتيوشا سقط بالقرب من منزله المستأجر تسبب عصف سقوطه الشديد بارتطام رأسه بالجدار بقوة ما أسفر عن إصابته بالشلل الرباعي وبحول في العينين ما يزال يلازمه حتى كتابة السطور ، جملة قصص تجدد حزنا ، تستدر دمعا، تنكأ جرحا غائرا لم يندمل بعد، وكلما حقق منتخب البارالمبية العراقي أوسمة ملونة إعتاد على تحقيقها في جميع البطولات الدولية والعربية وبرغم الفرح الغامر بالفوز الكبير ،عاودت اﻷحزان ظهورها لتؤرق ليلي وتقض مضجعي ذاك أن بلدانا ما أن تخرج من حرب حتى تدخل في أخرى ليس فيها مصنع واحد للاطراف الصناعية وﻻ للكراسي المتحركة، وﻻ وسائل لخدمة المكفوفين والصم والبكم ومرضى التوحد وضحايا متلازمة داون والمرضى النفسيين وشديدي العوق وضحايا التقزم والتشوهات الولادية وأعدادهم بالملايين بمثابة كارثة الكوارث ، كل ذلك التقصير يحدث مع الإصرار على عدم تفعيل قوانين رعاية ذوي الاعاقة والاحتياجات الخاصة التي عرف ذوي الاعاقة بأنهم ” كل من فقد القدرة كلياً أو جزئياً على المشاركة في حياة المجتمع أسوة باﻵخرين نتيجة إصابته بعاهة بدنية أو ذهنية أو حسية أدى الى قصور في أدائه الوظيفي” .
وهناك آفة إجتماعية خطيرة أﻻ وهي ظاهرة التنمر على ذوي الهمم على إختلاف أنواعهم والإستخفاف بهم وإطلاق التسميات والتوصيفات الجارحة بحقهم ،ما يدفعهم الى ترك مقاعد الدراسة مبكرا ، الإنسحاب الى الداخل ، الإنكفاء على الذات ليتحولوا بمرور الوقت الى أشخاص إنطوائيين ، إنعزاليين ، غير منتجين تزداد أحوالهم سوءا كلما تقدمت بهم السن ينفض من حولهم عنهم إما لوفاة أو سفر أو هجرة أو زواج أو نزوح ليتركوا في نهاية المطاف وحيدين لأقدارهم كما حدث مع ” عامر ”الذي أحيل الى دار اﻷيتام بعد وفاة أمه التي سبقها والده، وألفت عناية كل من يسخر من ذوي الإحتياجات الخاصة أو يسكت عن ذلك الصنيع المخزي الى ماقاله رسول الله ﷺ: ” إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلاتِهِمْ وَإِخْلاصِهِمْ”،وقوله صلى الله عليه وسلم ” كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طَمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ”، وقوله ﷺ: ” هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ” كيف لا وهؤلاء الضعفاء وأمثالهم قد لقنوا البشرية عبر التأريخ دروسا في قوة الإرادة لاتلين، الألمان يفاخرون ببيتهوفن وسيمفونياته التسع التي ألف أروعها وهو أصم لا يسمع ، محمد بن سيرين المعروف بتأويل الرؤى وتفسير الأحلام كان مصابا بالصمم إلا انه بلغ من العلم ما دفع الشُعبي ليقول فيه (عليكم بذلك الأصم)، مصطفى الرافعي الملقب بمعجزة الأدب العربي كان أصما، العداء الأفريقي أوسكار بيستوريوس، كان مبتور القدمين ، السباح تيرينس باركين، الحاصل على الميدالية الفضية في دورة الألعاب الاولمبية 2000 لا يسمع منذ ولادته، الأمريكية، مارلا رانيان، فازت بـخمس ميداليات ذهبية في دورة ألعاب المعاقين ودورة أثينا 2004، وهي كفيفة ، النجم المصري إبراهيم حمدتو، الذي أذهل العالم بقدراته في منافسات دورة الألعاب البارالمبية 2016 في العاصمة البرازيلية وهو يلعب تنس الطاولة بفمه وقدمه، البطلة البارالمبية نجلة عماد التي حصدت عشرات الأوسمة الملونة في معظم البطولات التي شاركت فيها بكرة الطاولة وهي التي كانت قد فقدت ذراعها اليمنى وكلتا ساقيها بتفجير ارهابي عام 2008بعمر أربع سنين ، قبل أن تحصل على الميدالية الفضية في بارالمبياد 2020 في طوكيو، والميدالية الذهبية في بارالمبياد 2024 في باريس ، وقائمة المشاهير والعباقرة من ذوي الاحتياجات الخاصة وفي جميع المجالات طويلة جدا ﻻ مجال لإستعراض عشر معشارها!
ولعل إهتمامي بالسينما والدراما جعلني أشخص جانبا يذهل عنه الكثير إﻻ وهو أن معظم اﻷفلام العربية والعالمية التي تناولت نوعا من أنواع الإعاقة ” الذهنية ، الحركية ، الحسية، النفسية ” قد حصدت أرفع الجوائز وحظيت بشهرة طبقت اﻵفاق وحفرت في الذاكرة والذائقة عناوينها وأسماء أبطالها بأحرف من ذهب بدءا بفيلم ( أحدهم طار فوق عش الوقواق) الحاصل على خمس جوائز أوسكار والذي يتحدث عن مستشفى اﻷمراض العقلية ، مرورا بفيلم ( رجل المطر ) الحاصل على أربع جوائز أوسكار والذي يتحدث عن مرض التوحد ، فيلم ( أنا سام ) الذي رشح للاوسكار والذي يتناول قصة معاق ذهنيا ، فيلم ( فورست غامب ) الحاصل على 6 جوائز اوسكار ويناقش الاعاقة المركبة ” الذهنية – الحركية ” ، فيلم “عطر إمرأة” الحاصل على الاوسكار والذي يستعرض حياة رجل ضرير ، فيلم بنجامين الحاصل على ثلاث جوائز اوسكار من اصل 13 جائزة رشح لها ، مرورا بـ ” أيام الغضب ، اﻷخرس ، الخرساء ، الكيت كات ، توت توت ، قاهر الظلام ، أمير الظلام”وغيرها كثير .
والقائمة طويلة جدا تؤشر بمجملها الى أن معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة تثير حيثما حلت و ارتحلت داخل النفس البشرية ما يدفع للتعاطف فضلا على التفاعل معها سلبا أو إيجابا ، ويبقى الخيار متروكا للمجتمع وحكمائه في أساليب وآليات توجيه هذا التفاعل بالإتجاه الانساني الصحيح ، أوالشيطاني الخاطئ، وقطعا أن أمما وشعوبا ﻻ ترعى معاقيها ،لن تُنصر ، لن تُرزق، لن تفلح ، لن تنتج وﻻ خير مطلقا فيها ،والمطلوب اليوم الآتي :
– تثقيف المجتمع بكل شرائحه بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة وكيفية التعامل معهم ورعايتهم ومعاقبة كل من يمسهم بسوء .
– العمل الجاد والمثمر على دمجهم في المجتمع وتأهيل ذوي الإعاقة نفسيا وبدنيا ، ماديا ومعنويا .
– علاجهم في المستشفيات والمستوصفات الحكومية مجانا .
– توفير فرص عمل شريفة لهم .
– تطوير مهاراتهم واكتشاف وتنمية مواهبهم .
– تخصيص ممرات وطرق خاصة آمنة لهم .
– صرف مرتبات شهرية مجزية وثابتة لهم وللمعين المتفرغ لرعايتهم .
– تخصيص مقاعد دراسية ولجميع المراحل لهم ، وأخرى في وسائل النقل العامة والخاصة .
-استحداث مرافق صحية خاصة بهم في المطارات والمرافئ والمحطات والمتنزهات واﻷماكن العامة .
– تزويدهم بالكراسي المتحركة المخصصة لذوي الشلل النصفي والرباعي ، بالعكازات الابطية والمرفقية ، بالمساند الرباعية والثلاثية ، بعصي الارتكاز ، الفرش والمراهم المضادة للتقرحات ، سماعات خلف اﻷذن لضعاف السمع ، مناهج التعليم بطريقة برايل للمكفوفين مجانا .
– استحداث أكبر عدد من المراكز المخصصة لرعاية وتعليم المصابين بالتوحد ومتلازمة داون .
– إشاعة مفاهيم إحترام المعاق وعدم التقليل من شأنه وذلك من خلال دروس الوعظ والارشاد والكتب المنهجية وعبر الملصقات والبوسترات والكراسات والفلكسات الارشادية التي يجب ان تعلق وتنشر في كل مكان .
– إفتتاح نواد بارالمبية لكل الالعاب الرياضية وفي معظم المدن .
-إقامة معارض تشكيلية وورش عمل تدريبية تعنى بإحتضان مواهبهم وتطويرها وعرضها للجمهور مجانا، ناهيك عن المؤتمرات والندوات وورش العمل المخصصة لهذا الهدف النبيل .

نقلا عن كتابي : ( لماذا أحب محمداً ﷺ ؟ ) بكل لغات العالم الحية