رياض سعد
تمهيد: السياق التاريخي
شكلت فترة الثمانينات من القرن العشرين منعطفاً حاداً في تاريخ العراق، إذ تزامنت مع تولي المجرم صدام الرئاسة رسمياً في 16 تموز/يوليو 1979، وانتصار الثورة الاسلامية الشيعية في ايران ؛ ثم اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية في أيلول/سبتمبر 1980 والتي استمرت ثماني سنوات… .
هذا العقد تحول إلى مسرح واسع للجرائم والانتهاكات الجسيمة والمجازر الرهيبة التي طالت جميع مكونات الشعب العراقي، ولا سيما الشيعة والأكراد والمعارضين السياسيين … .
شكّلت مرحلة عقد الثمانينيات من القرن العشرين ؛ واحدة من أكثر الفترات جدلًا وإيلامًا واجراما وارهابا في التاريخ العراقي الحديث… ؛ فقد تداخل فيها العامل الأيديولوجي القومي مع منطق الدولة الأمنية، وامتزجت شعارات الوحدة والنهضة بخيارات الحرب الشاملة، وتكثّفت فيها أدوات القمع الداخلي مع سياسات إقليمية صدامية .
***منطق الدولة الأمنية وإعادة هندسة المجتمع
منذ عقد السبعينيات، رسّخ النظام البعثي التكريتي الهجين نموذجًا للدولة الشمولية الاجرامية قائمًا على :
تركيز السلطة في يد الرئيس ومجلس قيادة الثورة ….
تضخيم دور الأجهزة الأمنية والاستخبارية والقمعية ….
ربط الترقي الوظيفي والامتيازات بالولاء الحزبي ….
.عسكرة المجتمع عبر الجيش الشعبي والمنظمات الرديفة…
بث الرعب والخوف في كافة مفاصل الدولة ومجالات الحياة العامة والمجتمع ….
أُخضع المجال العام لرقابة صارمة، وأُعيد تشكيل البنية الاجتماعية على أساس الولاء السياسي… ؛ و تحوّل الانتماء إلى الحزب الحاكم إلى شرط شبه إلزامي للترقي، بل أحيانًا للحماية من الشبهات وممارسة الحياة الضيقة … ؛ وفي هذا السياق، سادت ثقافة الخوف والرعب والإبلاغ والجواسيس ، وأصبح الاتهام كافيًا لفتح أبواب السجن الرهيب .
***الحرب العراقية-الإيرانية (1980–1988) وتكلفة الاستنزاف والدمار
مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وبروز شعار تصدير الثورة من طهران، عمّ الرعب دول المنطقة التي كانت تحكمها أنظمة ذات هويات طائفية وسلالية، ولا سيما تلك التي تشكل فيها الشيعة الغالبية السكانية كالعراق والبحرين… ؛ هذا المشهد الإقليمي الجديد دفع قوى الاستكبارو الاستقطاب الدولي -شرقاً وغرباً- إلى التحرك السريع لاحتواء الثورة الوليدة وإجهاضها، فبدأ الحصار على إيران منذ اندلاعها ولم يتوقف منذ ذلك الحين . عملت بعض القوى الكبرى والاقليمية على إسقاط الثورة بكل السبل، وطلبوا من باكستان إعلان الحرب على إيران إلا أنها رفضت، كما ورد في تصريحات سياسية موثقة… ؛ عندها، لم يجد المستكبرون أفضل من نظام العميل الرخيص صدام وحزب البعث المجرم لتنفيذ هذا المشروع … ؛ ذلك النظام البعثي الذي عُرف بعمالته واستعداده لتنفيذ المهمات مقابل الامتيازات… ؛ وهكذا أعلن صدام الحرب على إيران، أو بالأحرى على التشيع والشيعة عموماً، وهو النهج الذي تربى عليه في بيئة خاله الشاذ خيري طلفاح، المعروف بنزعته الطائفية والعدوانية والعنصرية الحاقدة . قدّم النظام البعثي الحرب بوصفها دفاعًا عن السيادة واسترجاعا للاراضي العراقية التي تنازل عنها عام 1975 للشاه ، فيما رآها كثيرون حربًا استنزافية طويلة أرهقت البلدين … . لم تكن الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) مجرد نزاع حدودي، بل حملت أبعاداً طائفية وقومية وسياسية عميقة… ؛ اذ رافق هذه الحرب الطويلة إجراءات قاسية ضد الجنود والضباط الشيعة، إذ كانوا يزجون في الخطوط الأمامية دون هوادة، وكان المتراجع يُعدم في الطريق بغض النظر عن أعذاره… ؛ في المقابل، كان أبناء تكريت والعوجة والمناطق الغربية يختبئون في المؤخرة والخلفيات كالجرذان …!!
لم يكن مسموحاً للجندي الشيعي بالتراجع أو الشكوى أو الاعتراض، بينما عومل العراقيون من مناطق أخرى بامتيازات واضحة… ؛ و هذا التمييز داخل المؤسسة العسكرية عكس طبيعة الدولة البعثية التي لم تبنَ على أسس المواطنة المتساوية، بل على ولاءات ضيقة مناطقية وطائفية . نعم , لقد أعلن العميل المأجور صدام الحرب على إيران في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980، واضعًا العراق في أتون مواجهة مدمّرة، ظنّها قصيرة فإذا بها تتحوّل إلى واحدة من أطول حروب القرن العشرين وأكثرها استنزافًا…؛ أعلنها حربا طائفية قومية عنصرية بالوكالة عن قوى الاستكبار والانظمة العربية الطائفية الحاقدة …؛ متطوعاً بدور الخيانة العظمى الذي استنكفته ساسة باكستان الاقوياء أنفسهم ورفضوه… . او بالأحرى أعلنها حربا على التشيع والشيعة قاطبة كما اسلفنا …؛ وهذا ما كان يتمتاه وما تربى عليه في منزل خاله الشاذ الطائفي الهجين خيري طلفاح وما تعلمه من شوارع الحقد العنصري الهجين والغرف المخابراتية المظلمة .
جاء ذلك القرار في ظرف إقليمي بالغ التعقيد، أعقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وما رافقها من اضطرابات داخلية، وعمليات اغتيال وتفجيرات، وتصدّع في بنية المؤسسة العسكرية الإيرانية ,زاد على ذلك غروراً بتفكك جيش إيراني كان بالأمس القريب أعتى جيوش المنطقة، وهروب كبار قادته ، فضلاً عن حصارٍ دولي وعزلةٍ سياسية خانقة… تصوّرالارعن صدام أن اللحظة سانحة لتحقيق مكاسب سريعة، وأن خصمه يعيش حالة وهنٍ داخلي تتيح فرض أمرٍ واقع خلال أسابيع أو أشهر… ؛ غير أن حسابات الميدان لم تنسجم مع أوهام السياسة وأماني العمالة والخيانة … ؛ فما حسبه حربًا خاطفة، انقلب إلى طاحونة استنزفت البلدين ثماني سنوات متواصلة، وأحرقت الأخضر واليابس، وأثقلت الأرض بدماء مئات الآلاف من الضحايا، حتى قُدِّرت الخسائر البشرية للطرفين بحدود مليوني قتيل، عدا الجرحى والمفقودين والمعاقين والاسرى …. أما العراق، فقد خرج مثقلاً بديون وخسائر مالية قُدّرت بمئات المليارات من الدولارات، وهو رقم هائل بمقاييس ذلك الزمن، انعكس مباشرة على اقتصاده وبناه التحتية ومستوى معيشة مواطنيه…, مما استنزف موارد البلاد استنزافاً مدمرا وأرهق كاهل العباد إرهاقاً رهيبا ، وأردى البلد في هاوية التدهور الاقتصادي ؛ و تراجعت التنمية، وتآكلت الطبقة الوسطى، وبدأت ملامح الانهاك تظهرالمعيشي في كل مفصل من مفاصل الدولة… ؛ لقد تحوّل القرار السياسي إلى عبء تاريخي، دفع ثمنه المجتمع بأسره .
وفي خضم تلك الحرب الطويلة، برزت أطراف إقليمية ودولية وجدت في النزاع فرصة لتصفية حسابات أو تحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية، عبر صفقات السلاح والدعم السياسي المتقلب… ؛ وبينما كان الجنود يُساقون إلى الجبهات، كانت المصالح تُدار ببرود في العواصم البعيدة والعربية … . كان المستفيد الأكبر من هذه المأساة هم أنظمة الطائفية العربية العميلة، وشعوبها التي تتغنى بالعروبة والطائفية المقيتة … ؛ فقد انهالوا على العراق كالجراد، عمالة وافدة مصرية وسورية وفلسطينية واردنية وسودانية وصومالية … وغيرها ، فعاثت في الأرض فساداً، ونهبت خيرات البلد ومقدراته تحت لافتات القومية الداعرة، حتى أصبحنا نستجدي لقمة العيش في بلد النهرين… ؛ وهذا كله لأن قوى الاستكبار والاستعمار وعدت عميلهم صدام بأن يخلف الشاه على عرش الخليج العربي، فكان كمن يقتل مواطنيه بسلاح غيره …
لقد كانت تلك الحرب نقطة تحوّل كبرى في تاريخ العراق الحديث؛ إذ مهّدت لما تلاها من أزمات وحصارات وصراعات… ؛ ولم تكن نتائجها مجرد أرقام في سجلات الإحصاء، بل جراحًا اجتماعية ونفسية ما تزال آثارها ماثلة في الذاكرة الجمعية وتداعياتها السلبية باقية الى هذا اليوم … إنها صفحة دامية تذكّرنا بخطورة القرارات المنفردة وتنفيذ الاوامر الخارجية حين تُتخذ خارج حسابات العقل والتوازن والوطنية والانسانية ، وبأن أوهام المجد السريع قد تقود أمةً بأكملها إلى دروب الخراب الطويل … ولعلّ الهدف الأخطر والأكثر خفاءً في هذه الحرب كان إبادة أكبر عدد من المسلمين الشيعة، فقد تسبب صدام وزبانيته في قتل وإبادة وتشريد ملايين العراقيين والإيرانيين من الشيعة، وهذا هو السبب الرئيسي الذي جعل النواصب المستعربين والاعراب المنافقين والذباحة والمجرمين من شذاذ الآفاق وشراذم البلدان العربية والإسلامية يمجّدونه ويتمسحون بحذاءه وتراب قدميه … ؛ ففي نظرهم هو محيي السنة ومبيد الشيعة، وهو البطل الذي استطاع أن يفعل ما عجز عنه معاوية وزياد بن أبيه، وبسر بن أرطاة والحجاج، وحتى المتوكل وصلاح الدين الأيوبي مجتمعين… ؛ لقد فاق عدد ضحاياه من الشيعة كل من سبقوه، فكان بحق رأس الحربة في محاولة طمس مذهب أهل البيت بالقوة العمياء والغدر المسعور.
وهكذا دفع ملايين الشيعة الكثير من دماءهم واموالهم وممتلكاتهم وامالهم واحلامهم في حرب غير متكافئة لم يكونوا طرفا فيها بمحض اختيارهم بل زجوا فيها زجا وسالت دماءهم وهدمت دورهم وترملت نساءهم ويتمت اطفالهم وسلبت اموالهم من دون ذنب …!!
أمنيًا، استُخدمت الحرب لتبريرتشديد القبضة الأمنية والقمعية , وتوسيع صلاحيات المحاكم الاستثنائية , وتجريم أي معارضة بوصفها خيانة زمن الحرب , واعلان حرب الابادة والاقصاء والتهميش والافقار والتطهير العرقي والطائفي ضد الشيعة والاكراد … ؛ والعمل على تغيير المجتمع العراقي ؛ من خلال تجنيس الغرباء والدخلاء والاجانب واسقاط الجنسية العراقية عن الشيعة والاكراد , فضلا عن ابادتهم بشتى الطرق والاعذار .
اجتماعيًا، دفعت شرائح واسعة ثمنًا باهظًا: مئات آلاف من القتلى والجرحى والأسرى والمعاقين والشهداء والمعدومين والمغيبين ، ومجتمعات محلية أُفرغت من شبابها ورجالها … ؛ وارتبطت الخدمة العسكرية الإلزامية بعقوبات قاسية على التخلّف أو الفرار، وصلت إلى الإعدام في اغلب الحالات وفق قوانين الطوارئ…!! أدّت الحرب إلى عسكرة المجتمع وتحويل موارد الدولة نحو المجهود العسكري، بينما تقلّصت الحريات العامة إلى حد كبير .
***الداخل العراقي: حرب موازية على الأغلبية
في الداخل، اتخذت الحرب ضد الأغلبية الشيعية شكلاً آخر لا يقل قسوة عن الحرب الخارجية… ؛ فقد وضع الشيعة كلهم في دائرة الاتهام، فأصبح الشيعي متهماً حتى تثبت براءته، بل تحول إلى مواطن من الدرجة العاشرة، إذ فضل عليه الوافدون من الجنسيات الاجنبية والغريبة … , فقد قدم النظام الفلسطينيين والمصريين والسودانيين والأردنيين والصوماليين والسوريين على العراقيين الأصليين، فصار الغرباء هم أصحاب الدار بينما عاش العراقي الأصيل غريباً في وطنه …!!
وضع جميع أبناء الشيعة تحت المراقبة المشددة، فالعمالة الأجنبية الوافدة التي بلغت الملايين كانت عيوناً وجواسيس للنظام ضد الأغلبية العراقية، بل إن الكثير من الفلسطينيين وغيرهم شاركوا الأجهزة الأمنية في تعذيب وقتل العراقيين …!!
***آليات القمع اليومي
خلال عقد الثمانينات، تحول الشيعة في العراق إلى فئات متعددة من المعاناة: جندي مقهور في الجبهة، أو أسير في إيران، أو مفقود، أو معاق، أو معتقل في غرف التعذيب , او مغيب في غياهب السجون ,او فقير يعاني شظف العيش , او مريض لا يملك ثمن علاجه … ؛ نعم , حتى من لم يكونوا في الجبهات عانوا الأمرين في تحصيل لقمة العيش بسبب منافسة العمالة الوافدة التي حظيت بدعم النظام الهجين الحاقد .
ولم يسلم المراهقون والطلبة والمسنون من هذه السياسات، إذ كان النظام يزج بهم في صفوف “الجيش الشعبي”… ؛ وصودرت السيارات للعمل بالسخرة، وأجبر العراقيون على التبرع للحرب… ؛ بل وصلت صلافة النظام إلى حد مطالبة أهالي الضحايا بثمن الرصاصات التي أطلقت على أبنائهم أثناء الإعدامات التعسفية… ؛ ومن كان ينصب سرادق عزاء أو يقيم مأتماً للشهداء كان يتعرض لأشد العقوبات…!!
لم يفعل اي طاغية وحزب بشعبه كما فعل صدام والبعث بالعراقيين , اذ لم يفعل المغول والتتار والانكليز بالعراق والعراقيين ما فعله النظام البعثي التكريتي الصدامي من ظلم وقهر واذلال وتعذيب وتشريد وعنصرية وطائفية وفساد ورشاوى ومحسوبية وبؤس وتجويع وحرمان … الخ ؛ وفوق كل هذا الجور ؛ يزج النظام بالأحرار والشرفاء والاصلاء من الاغلبية والامة العراقية في المعتقلات والسجون ويكيلوا لهم اصناف من العذاب والقهر والذل وكأنهم يهود في عصر النازية , بل ان النازية لم تفعل باليهود كما فعل اللقطاء والاوباش من ابناء الفئة الهجينة بالعراقيين الاصلاء والمواطنين الابرياء .
فقد استعان نظام المجرم صدام بالخبرة الاجنبية للاجهزة القمعية والمخابراتية , واستورد احدث اجهزة التعذيب وأرسل فرق من عناصره الاجرامية للتدريب في الخارج لاسيما في البلدان الشمولية والمعروفة بوحشية اجهزتها الامنية والمخابراتية ؛ فضلا عن ان النظام الصدامي قد ابتكر العديد من طرق التعذيب الوحشية وطبقها على السجناء والمعتقلين العراقيين .
***الاختفاء القسري
قام النظام بتغييب آلاف العراقيين من أصول إيرانية (الفيلية) وغيرهم ، ولا يزال مصيرهم مجهولاً… ؛ اذ تشير بعض التقارير إلى أنهم تعرضوا لعمليات سحب دم إجباري لاستخدامه للأغراض الطبية، أو أجريت عليهم تجارب كيماوية، أو دفنوا أحياء، أو زج بهم في حقول ألغام… ؛ كما اعتقلت آلاف النساء بتهم باطلة، وتعرض الكثير منهن للاغتصاب … .
كان الشيعي يُعتقل ويُعدم لمجرد الصلاة في المساجد، أو زيارة مرقد الإمام الحسين، أو بسبب انتمائه الفكري… ؛ و التزامه الديني قد يكون تهمة كافية لاتهامه بالخمينية أو الانتماء لحزب الدعوة… ؛ بل كان يُعتقل بسبب حلم أو نكتة أو اعتراض على سلوك موظف، أو يُعدم بسبب غياب يوم واحد عن الخدمة العسكرية …!!
***التطهير العرقي والطائفي والاعتقالات الجماعية وسياسة الافقار والتهميش
شهدت الثمانينات حملات اعتقال وتصفية واسعة ضد الشيعة بمختلف اعراقهم ومناطقهم وعشائرهم واعمارهم … ؛ فقد اشارت التقارير والشهادات الى اختفاء عشرات الالاف من ابناء الشيعة ؛ كما تم اعتقال مجاميع بشرية لا تعد ولا تحصى في السجون والمعتقلات … ؛ كما تم إعدام المئات من رجال الدين الشيعة وعشرات الالاف من ابناء الشيعة بين عامي 1980 و1990
إذ كان التديُّنُ وحده تهمةً قد تفضي إلى الإعدام، وكان مجرّدُ التردّد على المساجد والحسينيات، أو التبرّع لها، أو مساعدة فقراء الشيعة، أو زيارة العوائل المتَّهمة التي فقدت أبناءها في سجون الطاغية…؛ بل إن مجرد حمل مسبحةٍ حسينية (101)، أو التختم بالعقيق، أو زيارة مراقد الأئمة، أو إطلاق اللحية وعدم حلقها، كان كافيًا للاعتقال، وأحيانًا للإعدام .
في ذلك العقد الدمويّ الأسود، كانت دوريات ضباع الأمن، وذئاب الأجهزة القمعية، وكلاب الفرق الحزبية المسعورة، تجوب الشوارع والأسواق والقرى والمدن والمناطق العامة والمحلات الضيقة ، وتعتقل المواطن الشيعي لأيّ سبب، ولأتفه حجّة… ؛ فما أكثر الممنوعات آنذاك …؟!
باختصار، أصبح التراث الشعبي والإرث الوطني كلّه في خانة الاتهام والخيانة ؛ فلو استشهدت بمقولة لحاكم العراق وحكيمه الازلي وامير المؤمنين وخليفة نبي المسلمين الامام علي بن ابي طالب أو اقتنيت كتاب نهج البلاغة وقتذاك لاتهمت بالطائفية وتعرضت لشتى صنوف التعذيب ؛ اذ كشر ابناء الفئة الهجينة وشذاذ الافاق من المحسوبين على الاقلية السنية عن انيابهم واعلنوا عداءهم للتشيع والشيعة جهارا نهارا…!!
وقد يُفصل الموظف من وظيفته، أو يُنقل الجندي إلى الجبهات الأمامية، أو يُطرد المنتسب من الأجهزة الأمنية وغيرها، أو يُرقن قيد الطالب ويُفصل من الكلية، لأنه لم ينتمِ إلى حزب البعث، أو لأن أحد أقربائه من الدرجة الثانية أُعدم بتهمة الانتماء إلى حزب الدعوة أو الحزب الشيوعي… إلخ .
وانتشرت الراياتُ السوداء التي تُؤبِّن القتلى والضحايا والشهداء في كلِّ مدن وقرى وأحياء ومناطق الأغلبيةِ العراقيةِ الأصيلة؛ فما من بيتٍ إلا وفيه شهيدٌ أو معدومٌ أو ضحيةٌ… ؛ فضلا عن ممارسات سياسةِ التهميشِ والإقصاءِ والإفقارِ بحقِّ الشيعة…؛
نعم، كان عقدُ الثمانينياتِ من القرنِ المنصرم أشدَّ على شيعةِ العراق من سائرِ العقودِ المتأخرة؛ فقد تكالبَ عليهم الجميعُ في تلك الحقبة، وفيها عرف الأحرارُ عمقَ المأساة، وأدركوا أنَّ الشعاراتِ السياسية، مهما بدت برّاقةً، قد تُخفي وراءها أبشعَ الجرائمِ والمجازر.
**سياسات التهجير والمصادرة
شهدت الثمانينيات حملات تهجير طالت عراقيين من أصول إيرانية أو من الكرد الفيليين ومن غيرهما ، بذريعة «التبعية»… ؛ و صودرت ممتلكات آلاف العائلات، وفُصل موظفون وطلاب من مؤسسات الدولة … ؛ و بقي مصير أعداد من المفقودين مجهولًا لسنوات طويلة . اذ قتل النظامُ الصدّاميُّ الإجراميُّ البائدُ آلافَ التجّار من أبناءِ الأغلبيةِ العراقية، وصادر ممتلكاتِ مئاتِ الآلاف؛ فما من سجينٍ أو معتقلٍ شيعيٍّ يدخل السجن ويصدر حكمٌ بحقّه، إلا ويصاحب ذلك الحكمَ قرارٌ بمصادرةِ جميع أمواله المنقولة وغير المنقولة . نعم , ارتبطت الأحكام القضائية في كل القضايا السياسية والكيدية والاتهامات الباطلة بقرارات مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة، ما عمّق الأثر الاقتصادي والاجتماعي للعقوبة، إذ لم تقتصر على الفرد بل امتدت إلى أسرته …!!
***مقابر جماعية واخفاء قسري
تشير الوثائق والتقارير إلى وجود العشرات من المقابر الجماعية في عموم العراق، تضم آلاف الضحايا الذين أعدموا دون محاكمة أو قضوا تحت التعذيب … و ما زال مصير عشرات الآلاف من المعتقلين مجهولاً حتى اليوم، فيما تعرف عوائلهم فقط أن ذويهم اعتقلوا ثم اختفوا إلى الأبد , والكثير من هذه الاعتقالات والمقابر الجماعية حدثت في عقد الثمانينات .
***الجرائم بحق الزوار والشعائر الدينية
طالت جرائم النظام البعثي التكريتي أيضاً الشعائر الدينية، ولا سيما زيارة الأربعين… ؛ فقد منع النظام الزيارة، وقطع الطرق الرئيسية، ونصب السيطرات الحزبية والعسكرية للتحقيق مع الزائرين، والتضييق على النساء المتوجهات إلى كربلاء… ؛ حتى بلغ التطرف درجة ظهور السفاح الطائفي صدام شخصياً على التلفاز ؛ منتقدا شعيرة المشي الى الامام الحسين …
وقد شهدت فترات الزيارة انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب والتصفية الجسدية للزوار، بل وحتى مقدمي الخدمات من أصحاب المواكب والهيئات الحسينية… ؛ كما تم تدمير العشرات من المرافق الدينية والتاريخية المرتبطة بزيارة الإمام الحسين … .
***استخدام الأسلحة الكيميائية
ارتكب النظام جرائم حرب موثقة باستخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً… ؛ فخلال سنوات الحرب الثماني، شن الطيران العراقي 378 هجوماً كيميائياً ، استهدفت في كثير من الأحيان المناطق السكنية والمدن الحدودية الإيرانية… ؛ ثم استخدم تلك الاسلحة لابادة الشعب العراقي .
*** اعدام آل البارزاني عام 1983
في تموز/آب 1983، أمر السفاح صدام باعتقال وإعدام أكثر من 8,000 رجل وصبي من عشيرة البارزاني الكردية، بعضهم لم يتجاوز 13 عاماً … ؛ دفنوا في مقابر جماعية بعد اعتقالهم تعسفياً…
*** مجزرة الدجيل 8 تموز/يوليو 1982
بعد محاولة اغتيال فاشلة استهدفت موكب المجرم صدام في بلدة الدجيل، انتقم النظام الطائفي المقيت بوحشية قل نظيرها …؛ فقد اعتقل 393 رجلاً و394 من النساء والأطفال … ؛ و حوكم 148 شخصاً أمام “المحكمة الثورية” وأعدموا، فيما جرفت ودمرت الأراضي الزراعية على مساحة 1000 كم² … ؛ و تعرض المعتقلون للتعذيب الوحشي، ومات أكثر من 40 أثناء الاستجواب .
***إعدامات سجن أبو غريب 1984
في مجزرة مروعة، أعدم 4,000 سجين في سجن أبو غريب عام 1984 … ؛ و لم تكن هناك محاكمات عادلة، بل عمليات تصفية جماعية للمعتقلين … ؛ وما أكثر حملات تبييض السجون .
***تصفية واعتقال ومطاردة الشيوعيين واليساريين والقوميين والاسلاميين ومختلف اصحاب الرأي السياسي المغاير
شهدت فترة الثمانينات اختفاء عشرات الالاف من نشطاء المعارضة والشيوعيين والأكراد وغيرهم في السجون العراقية … ؛ اذ تم استهدافهم بشكل ممنهج باعتبارهم تهديداً أيديولوجياً للنظام الاجرامي الشمولي .
نعم , استمر النظام البعثي التكريتي في ملاحقة المعارضين ومن مختلف الاتجاهات:
إسلاميين … , شيوعيين ويساريين … ,قوميين أو عسكريين متهمين بالتآمر…)-)-
وشهدت هذه الاعتقالات ؛محاكمات أمام محاكم خاصة أو ثورية صورية , وإعدامات بالجملة بعد إجراءات سريعة … ؛ وطالت الاعتقالات أقارب واصدقاء واصحاب المطلوبين او المشتبه بهم …!!
*** الية القمع: محكمة الثورة سيئة الصيت والسمعة
شكلت “محكمة الثورة” الاجرامية الأداة القضائية الباطلة للقمع والإعدامات والاضطهاد وانتهاكات حقوق الانسان … ؛ وكشفت وثيقة صادرة عن مديرية الأمن العامة عن إعدام 113 مواطناً عراقياً دفعة واحدة عام 1983، بحكم من هذه المحكمة التعسفية التي لم تكن أكثر من مسرح لتنفيذ أوامر النظام الاجرامي .
لم تكن هذه المحكمة جهة قضائية عادلة، بل أداة لتصفية المعارضين أو المشتبه بعدم ولائهم… ؛ كان المتهمون يعدمون غالباً دون أدلة كافية، وكانت الاعترافات تنتزع تحت التعذيب .
***الجرائم الكبرى: من القمع اليومي إلى الإبادة المنظمة / حملات الأنفال وقمع الأكراد
في أواخر الثمانينيات، شنّ النظام حملة عسكرية واسعة في شمال العراق عُرفت بـ حملة الأنفال، استهدفت مناطق كردية بذريعة محاربة التمرّد… ؛ و تخلّلت الحملة عمليات تهجير قسري وتدمير قرى ,و اعتقالات جماعية واختفاءات قسرية , واستخدام أسلحة محرّمة دوليًا، أبرزها الهجوم الكيميائي على حلبجة عام 1988
وتُقدّر منظمات حقوقية أعداد الضحايا بعشرات الآلاف بين قتيل ومفقود، فضلًا عن موجات نزوح جماعي… ؛ وقد شكّلت هذه الأحداث إحدى أبرز القضايا التي استُند إليها لاحقًا في محاكمة كبار مسؤولي النظام بعد 2003
اذ تشمل الجرائم الموثقة التي ارتكبها النظام البعثي عملية الأنفال (1986-1988) التي أدت إلى مقتل أكثر من مائة ألف من أكراد العراق في عمليات تهجير جماعي ومجازر في القرى الكردية … ؛ كما قام الطيران العراقي في 1988 بإلقاء مواد كيميائية وغازات سامة على مدينة حلبجة شمال شرق البلاد، ما أسفر عن مقتل نحو خمسة آلاف مدني معظمهم من النساء والأطفال وإصابة عشرة آلاف آخرين من المدنيين العزل … .
وقد شكلت حملة الأنفال واحدة من أبشع جرائم الإبادة في التاريخ الحديث… , واعتبرت هذه المجزرة جريمة إبادة جماعية بموجب القانون الدولي …؛ واصبحت فيما بعد منطلقا لممارسة ابشع عمليات للتطهير الطائفي في العصر الحديث ؛ فقد قام النظام الاجرامي بابادة الاغلبية العراقية عقب الانتفاظة الشعبية الخالدة عام 1991
***بنية النظام الهجين المناطقي والولاء الضيق
اعتمد النظام البعثي في بنيته على تحالف ضيق من المحسوبين على المناطق الغربية والشمالية، ولا سيما مدينة تكريت ومحيطها… ؛ لقد تحولت الدولة في ظل حكم البعث إلى جهاز سلطوي مغلق، يفرض رؤيته بالقوة، ويقمع أي صوت معارض …
احتل أبناء مدينة تكريت -مسقط رأس الطاغية – المناصب الحساسة في الجيش والأمن والإدارة، وامتد التفضيل الجغرافي ليشمل مناطق أخرى كالموصل والأنباروديالى على حساب باقي المحافظات… ؛ و هذا التمييز عزز شعور التهميش لدى فئات واسعة من المجتمع، وأضعف ثقة المواطنين بجهاز الدولة الذي لم يعد يُنظر إليه كجهاز حيادي أو وطني، بل أداة للتمييز والمحسوبية والطائفية والعنصرية .
ولما كان الثقل السكاني يميل لصالح الأغلبية الشيعية، عمل النظام البعثي التكريتي على شق الصف الوطني وضرب الوحدة الاجتماعية باستخدام سياسة “الضد النوعي”، القائمة على تجنيد عناصر من داخل المكون الشيعي نفسه ضد أبناء مذهبهم… ؛ اذ جرى إغراء الكثيرين بالانتماء إلى صفوف حزب البعث والانضمام إلى الأجهزة الأمنية القمعية، فضلاً عن إرسال مئات الآلاف إلى جبهات الحرب الخاسرة … ؛ ودق اسفين بين عناصر وجماعات هذا المكون الاكبر … ؛ فقد استخدموا طريقة فرق تسد , واشتهروا بالمبدأ المنكوس الهدام ( هد كلابهم عليهم ) وهو يجسد الفكرة الشيطانية التي تدعو الى تجنيد شذاذ وشراذم الاغلبية العراقية وسقط المتاع منها ضد ابناءها الاحرار والاصلاء , كما مر انفا .
واتسمت الحياة اليومية آنذاك بانتشار الأجهزة الأمنية والمخبرين، وأصبح الانتماء الحزبي أو إعلان الولاء شرطًا للترقي الوظيفي أو الحصول على بعض الامتيازات ومن ملامح تلك الحقبة الدموية السوداء :
تضييق على حرية التعبير والحريات العامة والخاصة ..
رقابة صارمة على الإعلام والتعليم والحياة العامة ..
عسكرة المدارس والجامعات عبر منظمات طلابية وشبابية تابعة للحزب ..
و قد أدى هذا المناخ إلى انتشار الخوف والصمت، حيث تجنّب كثيرون الخوض في الشأن السياسي علنًا …
***الاستنتاج: طاغية فوق المجتمع
يكشف تحليل فترة حكم البعث التكريتي في العراق عن طبيعة الدولة الأيديولوجية التي تتحول إلى أداة قمع وإقصاء… ؛ فالنظام البعثي التكريتي لم يبنَ على أسس تعاقدية، بل على تصور شمولي للدولة باعتبارها امتداداً لحزب واحد، ولقائد أوحد،وطائفة واحدة , وقرية واحدة , ومنطقة واحدة , وأيديولوجيا ترفض التعدد والاختلاف… ؛ و تماهت الدولة مع الحزب، والحزب مع الطاغية ، ما جعل سقوط أحدهم يعني سقوط الجميع .
عندما تهاوت الأيديولوجيا تحت ضغط الهزائم والعزلة، لم تجد الدولة ما يسندها… ؛ و لم تكن هناك مؤسسات مستقلة، ولا مجتمع سياسي متماسك، ولا قاعدة جماهيرية مستعدة للدفاع عن النظام… ؛ لذا انهارت الدولة سريعا عام 2003لأنها بنيت على الولاء لا على المشروعية، وعلى الإقصاء لا على التمثيل .
لقد أظهرت تلك المرحلة أن الشعارات القومية أو الثورية، مهما بدت براقة، قد تتحوّل إلى غطاء لسلطة فردية مطلقة إذا غابت المؤسسات المستقلة والرقابة والمساءلة… ؛ كما برهنت أن عسكرة الدولة وتسييس الهوية يفتحان الباب أمام انقسامات عميقة يصعب ترميمها لاحقًا…
وبهذا يظل النظام البعثي الصدامي مثالاً صارخاً على الإجرام الحكومي وإرهاب الدولة، وعلى قذارة الأنظمة الطائفية المقيتة والعنصرية والمناطقية والشمولية والدكتاتورية… ؛ لقد دفع ملايين العراقيين ثمناً باهظاً من دمائهم وأموالهم وممتلكاتهم وآمالهم في حرب غير متكافئة لم يكونوا طرفاً فيها بمحض اختيارهم، بل زجوا فيها زجاً، فسالت دماؤهم، وهدمت دورهم، وترملت نساؤهم، ويتم أطفالهم، وسلبت أموالهم من دون ذنب، كما اسلفنا ,ليظل هذا الإرث شاهداً على بشاعة الأنظمة التي تضع نفسها فوق الشعوب .
ويبقى استحضار تلك التجربة ضرورة لفهم تحوّلات العراق بعد 2003، وللتأكيد على أن بناء دولة عادلة لا يقوم على الغلبة أو الثأر، بل على سيادة القانون، والاعتراف بالضحايا، وصون كرامة الإنسان أيًا كان انتماؤه .
***خاتمة: عقد الإجرام المنظم
تمثل فترة الثمانينيات في العراق ذروة ترسّخ السلطة الفردية بيد الطاغية صدام … ؛ فبعد أن أحكم سيطرته الكاملة على مفاصل الدولة والحزب والأجهزة الأمنية… ؛ اتسم العقد بعاملين حاسمين: حرب خارجية طويلة مع إيران، وقبضة داخلية مشددة استهدفت كل أشكال المعارضة أو الاشتباه بها… ؛ وفي هذا السياق، تزاوجت عسكرة المجتمع مع منطق الدولة الأمنية، فأصبح العراق يعيش حالة تعبئة دائمة، حيث طغت لغة الحرب والطوارئ والعنف والاجرام والارهاب على الحياة السياسية والاجتماعية.
نعم , يمثل عقد الثمانينات ذروة الإجرام والارهاب المنظم في تاريخ العراق الحديث… ؛ فخلال هذه السنوات ، تحولت الدولة إلى جهاز قمع شامل يستهدف مواطنيه بالقتل والتعذيب والتهجير والإخفاء القسري والافقار والتهميش والمطاردة والترهيب …
لقد دفعت الحرب مع إيران ثمناً باهظاً من أرواح العراقيين الاصلاء ومن مقدرات البلاد، لكن الجرائم ضد المدنيين -سواء في حلبجة أو الدجيل أو بحق رجال الدين الشيعة والبارزانيين والفيليين والشيوعيين وغيرهم – تبقى وصمة عار في جبين نظام أمعن في قمع العراقيين وقتلهم لمجرد الاختلاف أو الشك أو الشبهة …!!
ويظل هذا العقد شاهداً على بشاعة الأنظمة الشمولية التي تضع نفسها فوق القانون، وتستبيح دماء شعبها باسم الأمن أو الوطنية أو الوحدة أو القومية أو الايدلوجية الحزبية … ؛ وتبقى آلاف المقابر الجماعية والمفقودين دليلاً صارخاً على جرائم تستوجب المحاسبة والذاكرة الجماعية، لئلا يتكرر هذا الكابوس في مستقبل الأجيال القادمة .
إن دراسة هذه المرحلة تظل ضرورية لفهم التحولات اللاحقة في العراق، ولإدراك كيف يمكن لاحتكار السلطة وغياب الرقابة والمساءلة أن يقودا إلى كوارث إنسانية وسياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية ونفسية تمتد آثارها السلبية لعقود طويلة…